استثمار التحويلات النقدية للوافدين

من الطبيعي أن تتأثر التحويلات النقدية للعمالة الوافدة العاملة في الدول النفطية خلال العام الحالي نتيجة لتراجع أسعار النفط العالمية، بالرغم من أن التقديرات المُعدَّلة الصادرة للبنك الدولي توقعت بأن تصل قيمة هذه التحويلات المالية إلى الدول النامية خلال العام الحالي 2016 إلى 516 مليار دولار. ولا شك أن استمرار تداول أسعار النفط العالمية ما بين 40 إلى 45 دولارا للبرميل سينتج عنه تراجع هذه التحويلات على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي والعالم خلال السنوات المقبلة، خاصة وأن معظم التحويلات المالية النقدية من دول المجلس تأتي من السعودية والامارات وقطر. ويعزى ارتفاع تحويلات الوافدين بالمنطقة لعدة أسباب من ضمنها أن الأسواق الخليجية ما تزال تعتمد بشكل كبير في تسيير أعمالها على العمالة الوافدة، حيث يعيش 25 مليون وافد مع أفراد أسرهم في المنطقة، ويوازي عددهم إجمالي عدد المواطنين الخليجيين. ومن المؤكد أنه في حالة استمرار تراجع أسعار النفط عالمياً فان ذلك سوف يحد أو يبطئ من التحويلات النقدية للدول التي تأتي منها العمالة الوافدة للمنطقة. ففي العام الماضي ومنذ بداية العام الحالي فان تدفقات هذه التحويلات متواصلة من دول مجلس التعاون نتيجة لاستخدامها للاحتياطات المالية الكبيرة لديها بهدف الحفاظ على مستويات الإنفاق، كما تقوم بالسحب من أصولها لمواجهة الانخفاض الحاد في أسعار النفط. لكن استمرار هذه الأزمة ربما ستؤدي لاتخاذ خطوات أخرى من قبل دول المنطقة للحد من التوظيف أو إعادة العمالة الوافدة إلى دولها، خاصة وان بعض الدول بدأت هذه الخطوة خلال الآونة الأخيرة بسبب تراجع عدد المشاريع الجديدة في المنطقة، الأمر الذي سيقلل بالتالي وبشكل كبير من تدفقات التحويلات النقدية سواء إلى دول منطقة الشرق الأوسط، أو إلى دول جنوب وشرق آسيا.  ويرى بعض الخبراء فرض ضريبة مالية على هذه التحويلات للحد منها من جهة، ودعم العجز الذي تعاني منه دول المنطقة بسبب تراجع الايرادات السنوية. وهناك مبادرات أخرى يتم طرحها في هذا الشأن بأنه يتوجب على دول الخليج ضرورة إيجاد حلول عملية لاستثمار مليارات الدولارات التي يرسلها العمال الأجانب إلى بلادهم كل عام، بدلاً من التفكير بفرض رسوم أو ضرائب على تحويلاتهم المالية، وتوفير فرص الاستثمار لهم لابقاء السيولة في المنطقة، والسماح للوافد باستثمار مدخراته في السندات الوطنية وفي الصناديق الاستثمارية وصناديق التأمين والعقارات وفي الأسواق المالية وغيرها من قنوات الادخار الأخرى، مع ضرورة إصلاح الأمور المتعلقة باقامة هؤلاء الوافدين في المنطقة. وقد سبق لبعض الجمعيات المالية بدول المجلس أن قدمت عدة مقترحات لتخفيض معدلات نمو التحويلات المالية من دول مجلس التعاون الخليجي وتدفقها إلى الخارج، تمثلت في استحداث الوظائف لأبناء دول المجلس لتخفيض البطالة، وتحفيز الاستثمارات المحلية لمواطني دول المجلس، وفتح أسواق دول التعاون أمام المستثمرين الأجانب بما فيهم العمالة الوافدة، وتحسين البنى التحتية والإلكترونية. لكن حتى اليوم هناك قيود على الاجانب بامتلاك أو الاستثمار في معظم الأنشطة. إن عدم وجود أي ضريبة دخل على الرواتب التي يتقاضاها الوافدون في دول المجلس يشجع بشكل كبير تحويل الأموال إلى خارج المنطقة، وهذا ما يجب بحثه بجانب العمل على توفير القنوات الادخارية لهم. فالتحويلات النقدية تشكل استنزافاً للسيولة المحلية، وضغطاً على موازين المدفوعات التي تتأثر سلباً بتراجع العوائد النفطية، الأمر الذي يتطلب دراسة هذا الموضوع من جميع جوانبه للاستفادة من بعض هذه التحويلات مستقبلا. وعموما فان هذه التحويلات تساعد الكثير من الدول النامية في الحفاظ على استقرار حسابها الجاري وميزان مدفوعاتها، بالإضافة إلى ضمان توفر احتياطات العملة الأجنبية لديها، وتحسين الجدارة الائتمانية لديها. [email protected]