نعمة النفط

أحداث الاسبوع الماضي في السودان التي شهدت توقيع اتفاق إطاري للسلام بين فرقاء الحرب في جنوب السودان أعادت تأكيد الخاصية الاستراتيجية للنفط وأنه يمكن أن يكون نعمة كما يمكن أن يصبح نقمة، والعيب ليس في النفط، وإنما في السياسات المتبعة بشأنه. منذ خمس سنوات اندلعت الحرب الاهلية في جنوب السودان وفشلت الوساطات الاقليمية والدولية في الوصول الى سلام دائم رغم توقيع العديد من الاتفاقيات. السودان ظهر وسيطا، ولو ان الوساطة في إطار إقليمي، وهو ما يبدو غريبا بسبب تاريخ طويل من الشكوك والحرب الاهلية أدت في النهاية الى انفصال جنوب السودان دولة مستقلة، لكن ما يميز الوساطة السودانية الحالية انها أخرجت عامل النفط ووضعته على الطاولة، الامر الذي أعطاها ميزة نسبية على بقية الوسطاء لأنها ستوفر تمويلا داخليا للسلام المنتظر. فعائدات النفط تمثل 98 % من إجمالي ايرادات دولة جنوب السودان ولهذا تأتي أهمية تشغيل الحقول والانتاج ثم التصدير حتى يمكن الحصول على التمويل اللازم لتسيير شؤون الدولة والانفاق على تنفيذ اتفاق السلام. وهنا يأتي دور السودان بسبب خبرته السابقة في استخراج النفط من ذات المناطق التي كانت تتبع له في الماضي وذلك من ناحيتي توفير الكوادر الفنية واستناده الى معرفة عميقة بهذه المناطق من قبل. فمثلا وزير النفط الحالي أزهري عبد القادر عمل في هذه المناطق قبل أن ينتقل مديرا للاستكشاف والانتاج في الخرطوم. لكن الى جانب توفر الكوادر المهنية وخبرتها العملية بمناطق النفط في جنوب السودان، هناك عاملان مهمان ويتمثلان في وجود مركزي معالجة النفط الخام وإعداده للتصدير في كل من فلوج وهجليج، ثم الجانب الاخر المتمثل في وجود خطي أنابيب شرقي وغربي لنقل الخام من مناطق الانتاج الى مرافق التصدير في ميناء بشائر على ساحل البحر الاحمر. ظل النفط عاملا رئيسيا في الوضع السياسي السوداني قبل وبعد انفصال جنوب السودان. فمتمردو جنوب السودان اعلنوا عن أنفسهم بمهاجمة مواقع لشركة شيفرون التي اكتشفت النفط في سبعينات القرن الماضي مما أدى الى تعطيل العمل. بعدها اتجه السودان شرقا مستعينا بالصينيين والماليزيين لاستخراج وتصدير نفطه، وأدى تدفق العائدات الى تقوية موقف الحكومة سياسيا وعسكريا في مواجهة المتمردين ومن ثم أسهم في الدفع باتجاه السلام وتقاسم هذه الثروة. ثم جاءت ممارسة حق تقرير المصير حيث صوت الجنوبيون لصالح الانفصال وأحد العوامل الدافعة لذلك أن تكون لهم السيطرة الكاملة على نفطهم. صدفة الجيولوجيا جعلت معظم الاحتياطيات النفطية توجد في جنوب السودان، بينما صدفة الجغرافيا جعلت منفذ هذا النفط الى الاسواق العالمية عن طريق السودان، ولهذا يتجه البلدان الى التعاون وبناء العلاقة على أساس المصلحة المشتركة وتجاوز حالة الشك والعداوة والتربص التي رانت طويلا على علاقة البلدين.