وُجِدَ مطروحاً بين الصخور والرمال في كبد الصحراء وقد فارق الحياة بعد أن عاش فيها وحيداً، ألفته وحوش البراري، فلا تخشاه ولا يخشاها، ترك العيش بين الناس لا لخَطْب أصاب عقله بالجنون ولا عُرِف عنه سفاهة ولا قلة بلاغة، فهو من تعلق بستار الكعبة يوم الحجيج قائلا «اللهم زدني لليلى حبًا وبها كلفًا ولا تنسني ذكرها أبدًا». هل بالغ قيس ابن الملوح عندما تعلق بستار الكعبة بعد أن أنهكه حب ليلى ولَم يعد يقوى على الحياة أو العمل أو حتى على رعي الإبل، وهل كان وحده من أطاح به قلبه، أم أن كل البشر معرض لأن يصاب حقاً بداء القلوب؟ إن ما أردت الوقوف عليه هنا ليس قصة قيس وليلى العامرية وإنما الرمز القديم وإسقاطه على آخر دراسات البشر الحديثة مما نتعرض له جميعاً، حيث أشارت دراسة حديثة أجريت في المركز القومي للصحة النفسية في أمريكا إلى أن 10% من الأشخاص الذين أجري عليهم البحث أصيبوا بنوبات الرعب، أو الفزع أو الإحساس بعدم الأمان أو الوحدة الموحشة أو التوتر، كلها يطلق عليها اسم مرض العصر وهو التوتر، وغيرها من المشاعر المؤلمة، وليست الفكرة بالمشاعر وإنما بأثرها على الصحة العامة والقدرة على العمل، فالشخص الذي يصاب بهذه النوبات يتعرض لآلام شديدة تشابه إلى حد كبير آلام الذبحة الصدرية وتترافق بارتفاع كبير في سرعة دقات القلب وألم في عضلة الصدر ورجفة في الأطراف وتقطع شديد في النَفَس وتدني القدرة على الإبصار وفقدان السيطرة على السلوك. هذه الأعراض ليست لمرض عضوي ظاهر وليست نادرة الحصول فهي حسب الدراسة تصيب 10% من الناس وتصيب السيدات أكثر من الرجال. على ذلك فإنه لابد من الأخذ بعين الاعتبار نقطتين في غاية الأهمية، أولاهما ضرورة الحفاظ على الصحة النفسية للأفراد داخل الأسرة وداخل المؤسسات التعليمية ومواقع العمل، لأن وقع الكلمة قد يكون في غاية الخطورة، والنقطة الثانية هي ضرورة التعامل الإيجابي والفعال مع الأشخاص المصابين بالاضطرابات النفسية، حيث إن الجميع دون استثناء يعاني بشكل من أشكال الضغط النفسي أو الإجهاد النفسي أو غيرها من ضغوط الحياة، لذا لابد من التفاعل الإيجابي مع الجميع. إننا جميعاً نحمل ذاك القلب بين جنباتنا، هو موطن تكليفنا ونوايانا وحسابنا وضمائرنا، فإن انكسر غابت عن الحياة ملامح الحقيقة، وتشابه الواقع مع الخيال وأصبح طعم اللبن كالماء ولون الماء كوزن الهواء، تتشابه الأحداث حتى تختفي، فعوداً لبدء ولقيس كسير القلب، فقد وجدوا عند رأسه عندما وجدوه ميتاً في الصحراء وقد خط بيتين من الشعر يرثي نفسه يقول فيهما «توَسَّدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِ وماتَ جريح القلبِ مندملَ الصدرِ فيا ليت هذا الحِبَّ يعشقُ مرةً فيعلمَ ما يلقى المُحِبُّ من الهجرِ». أما بعد فرفقاً بقلوبنا وقلوب من حولنا، فلرب كلمة لا يحسب لها بال تقع موقع المقتل في قلب رجل ما فترديه، ورب كلمة خير ترفع أحدهم ليعانق السحاب، فاحرص على كلماتك بحرصك على قلبك، فالمرء يعرف بالأنام بفعله وخصائل المرء الكريم كأصالة، وإلى من خلد الأدب العربي أشعاره ولَم يكن مجنوناً بل كان عاشقاً له تحية ولكم محبّة وإلى لقاء.