منظمة التجارة الدولية.. مبادئ وأهداف

منذ القدم ومع تطور الحضارات الإنسانية كانت التجارة وما زالت العصب الاقتصادي الأهم للدول والمجتمعات، ومع تطور الفكر السياسي وفي محاولات الفئة الحاكمة دائما لخلق قوة تحافظ بها على وجودها وسلطتها، كان لا بد من العمل على فتح منافذ تجارية جديدة تدر مزيد من الإيرادات للدول والأشخاص. ومن هنا أصبح التشابك الكامل بين التجارة والسياسة أمرا أساسيا عبر التاريخ، فبدأت الدول عبر سياساتها الخارجية محاولات مستمرة لتعزيز المصالح التجارية وذلك إما عن طريق القوة العسكرية والاحتلال أوعن طريق المعاهدات والاتفاقيات التجارية، ففي عام 30 قبل الميلاد مثلا غزت روما مصر للحصول على إمداداتها من الحبوب، وفي القرن الثالث قبل الميلاد استخدمت الصين قوتها العسكرية للحفاظ على طريق الحرير التجاري لمنتجاتها. تاريخيا ومنذ العام 1948 وحتى عام 1994، قدمت (اتفاقية الجات وهي الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة) القواعد الأساسية لمعظم عمليات التجارة الدولية، والتي وبالرغم من أنها مرت بفترات شهدت بعضًا من أعلى معدلات نمو التجارة الدولية خلال سنواتها الـ 47 إلا أنها كانت دائما ما تعتبر اتفاقًا وتنظيمًا مؤقتًا. ومن هنا ظهرت ضرورة إنشاء منظمة التجارة العالمية والتي تأسست في يناير 1995 وباتت تضم 164 عضوا معظمهم من الدول النامية، وهي منظمة دولية عالمية تشرف وتتعامل مع قواعد التجارة بين الدول، وهدفها المعلن هو مساعدة منتجي السلع والخدمات والمصدرين والمستوردين في العالم على إدارة أعمالهم، ففي حين أن (اتفاقية الجات) تعاملت بشكل أساسي مع التجارة في السلع والبضائع، فإن منظمة التجارة العالمية غطت أيضًا تعاملات الخدمات والملكيات الفكرية بالإضافة إلى إجراءاتها الجديدة لتسوية النزاعات التجارية. أما اتفاقيات منظمة التجارة العالمية فبالرغم من كونها نصوصا قانونية طويلة ومعقدة حيث إنها تغطي مجموعة واسعة من الأنشطة، إلا أنها حددت عددًا من المبادئ المشتركة والتي اعتبرت أساس النظام التجاري بين الدول ومنها: عدم التمييز بين الشركاء التجاريين للدول الأعضاء من حيث المنتجات أو السلع والخدمات، وتشجيع الأعضاء والسماح لهم باتخاذ تدابير خاصة لحماية البيئة والصحة العامة إذا لزم الأمر. خفض الحواجز التجارية لتشجيع التجارة، على أن يشمل ذلك الرسوم والتدابير الجمركية المختلفة مثل حظر الاستيراد وتقييد حصص التبادل التجاري. حماية الشركات والتجار وتثبيط الممارسات (غير العادلة) مثل إغراق الأسواق بمنتجات بأقل من تكلفتها بهدف الحصول على حصة سوقية. دعم الدول النامية للتكيف مع أحكام منظمة التجارة العالمية وذلك بمنحهم وقتا ومرونة وامتيازات خاصة لتحقيق المتطلبات، مع التأكيد الكامل للمنظمة بأنه لا ينبغي رفع الحواجز التجارية بين الدول بشكل تعسفي. أما أهم قواعد التجارة الدولية من وجهة نظر المنظمة فهي كما يلي: التزام الدول بتخفيض التعريفات الجمركية والحواجز التجارية للسلع والخدمات والملكيات الفكرية وبالتالي تسهيل عمليات التبادل التجاري. تحقيق السياسات التجارية الشفافة للدول من خلال إخطار المنظمة بالقوانين المعمول بها والتدابير المعتمدة لديها، على أن تخضع جميع الدول الأعضاء لفحص دوري لسياساتهم وممارساتهم التجارية. ضمان تدفق التجارة بسلاسة، حيث ترفع الدول منازعاتها إلى منظمة التجارة العالمية إذا اعتقدت أنه قد تم التعدي على حقوقها التجارية، على أن تستند الأحكام الصادرة إلى تفسيرات الاتفاقات والتزامات الدول، مع العلم بأن هذه الاتفاقيات ليست ثابتة حيث إنه قد تتم إعادة التفاوض عليها من وقت لآخر. هذا وتعتبر تعديلات الدوحة في العام 2001 من أهم تعديلات المنظمة حيث هدفت لتحقيق إصلاحات كبيرة في نظام التجارة الدولية من خلال إدخال حواجز تجارية أقل وقواعد تجارية منقحة، وهو ما ساعد في تحسين الآفاق التجارية للدول النامية. تنظيم بعثات تعاون فني وعقد دورات متنوعة بهدف مساعدة الدول النامية على تطوير بنيتها التحتية وتحسين مهاراتها التجارية اللازمة لتوسيع نطاق أعمالها. تشجيع التواصل التجاري حيث تقيم المنظمة حوارًا منتظمًا مع العديد من الدول والجهات، بهدف تعزيز التعاون وزيادة الوعي بالأنشطة والأهداف. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن منظمة التجارة العالمية وبرغم مساهماتها المباشرة بتوسع التجارة الدولية إلا أن دورها الاقتصادي يرتكز على فكرة العولمة والمساواة بين السلع والخدمات والتي في بعض الأحيان قد تكون مضرة لدول نامية ما زالت تجهل ميزاتها التنافسية، وهنا أتذكر قول الكاتب سعد الله ونوس (إن التجارة بين الأقوياء والضعفاء ليست بيعا وشراء بل هي حرب وعدوان).