معادلة الوقت

سواء أكنت مهنيا أو عاملًا، أو كنت ذا عمل حر أو مقيدا بوظيفة وتعاقد، وسواء أكنت تعتمد على مهاراتك وجهدك في كسب العيش أو تقوم بتوظيف جزء من أصولك ومدخراتك في عمل صغير أو كبير، فأنت في كل هذه الأحوال أمام معادلة الوقت، كم عدد الساعات التي تنفقها في العمل، وكم يتبقى لك من وقت تستمتع فيه بنفسك وبأحبابك وأهلك وأولادك، وبالعالم وباهتماماتك وهواياتك؟ هذه المعادلة ليست في يدك في كل الأحوال، فأنت محكوم من ناحية بتلبية حاجاتك المادية الأساسية لنفسك ولمن تتكفل بهم وبتأمين مستقبل مناسب لك ولهم. وبالمقابل فإن هذه المعادلة لها وجه آخر عند الجهة المخدِّمة -إذا كنت مستخدَما– فأصحاب الأعمال ومديرو الشركات ورؤساء المصالح الحكومية تتلبسهم افتراضات يرونها عين الصواب، يتلخص أحدها في أن مصلحة الشركة أو المصلحة أو العمل تقتضي استبقاءك في الدوام أكبر عدد ممكن من الساعات طالما أنهم يدفعون لك. وهذا يقوم بدوره على افتراض أن كل دقيقة تقضيها داخل الدوام هي بالضرورة إضافة في أدائك وإنتاجيتك. نسفت هذا الافتراض دراسة بريطانية حديثة توصلت إلى أن «دقائق العمل» لا تتعدى في كل الأحوال المئتين وثلاث وخمسين دقيقة مهما كانت الساعات التي يقضيها المستخدم في مكان عمله، وأن كل الوقت المتبقي يضيع هباءً منثورا ولا يستفيد منه المخدمون وأصحاب الأعمال، ذلك أن الإنسان بطبعه لا يستطيع التركيز في عمله أكثر من هذا القدر يوميا. حتى هذه الدقائق المعدودة التي تساوي في مجموعها أقل من ثلاث ساعات لا يستطيع الإنسان أن يركز فيها كلها دفعة واحدة، بل إن التركيز المستمر الذي يضمن الدقة وعدم الوقوع في أخطاء لا يتجاوز النصف ساعة، بالتالي وحسب الدراسة، فإن الوقت المثالي للدوام يمكن أن يكون أربع ساعات بحيث تكون هناك فسحة قصيرة مدتها عشر دقائق كل نصف ساعة. تبدو الصورة مثالية وحالمة ومغايرة للواقع الذي نجد فيه نسبا كبيرة من الناس تختار العمل أكثر من دوام أو معظم ساعات اليوم، إما لأنهم لا يستطيعون كسب ما يكفيهم إلا بهذه الطريقة وإما لأنهم يملكون أموالا وأعمالا كثيرة ومتشابكة لا يستطيعون رعاياتها وإدارتها إلا بإنفاق معظم ساعات اليوم في ذلك. الدراسة البريطانية الحديثة يمكن أن تصنف نتائجها بأنها مدافعة عما تبقى من إنسانية البشر على هذا الكوكب، فالإنسان لم يخلق بأي حال من الأحوال خادما للمال أو لبطنه وحاجاته الأساسية، فهناك أبعاد وزوايا جديرة بأن تعاش ويُحتفى ويُستمتع بها بعيدا عن الحياة المملة الرتيبة لهثا وراء الخبز وحده.  الجهات المخدِّمة القليلة التي حاولت الاقتراب من هذا الوضع المثالي تبشر بأن الأمر مثمر ومؤثر إيجابيا على الإنتاجية والأداء وبيئة العمل وعلاقات الإنتاج، ولا شك أنه يقلل أيضا من تكاليف التشغيل.