يقدم الكاتب رؤيته الفلسفية حول تأثيرات الثورة التقنية والانفجار المعلوماتي، على هوياتنا وحياتنا، في منظومة من الأسئلة والافتراضات، فتأتي الاجابات متباينة ومتغيرة وذلك على ضوء الصياغة التي غلف بها كل سؤال، والأخذ في الاعتبار خبرات وثقافة المتلقين لهذه الأسئلة، والهدف التحقق من حجم الأثر الذي تحدثه في هوياتنا الشخصية وذواتنا التي يتعمق في الغوص في مكوناتها كاشفا عن حساسيتها باعتبارها كتلة من المشاعر تتفاعل بشكل كبير مع المتغيرات الخارجية التي سرعان ما تنفذ إلى الداخل محدثة أشكالا من التغيرات التي تتطلب القراءة المعمقة والدراسات المتخصصة، متتبعا في ذلك عددا من المدارس الفلسفية، (من نحن، ومن سنصبح، ومن الذي يمكن أن نكونه عندما يتزايد ما نقضيه من وقتنا في الأنفوسفير؟)، والأنفوسفير مصطلح يعبر عن البيئة المعلوماتية برمتها التي تتألف من جميع الكيانات المعلوماتية وخصائصها وتفاعلاتها، (افترض عندما تستيقظ كل صباح يتعامل معك الجميع على أنك شخص مختلف تماما، حينئذ يمكنك أن ترى كيف أنك سوف تصاب بالجنون سريعا)، حيث ينظر إلى (الذات على أنها نظام معلومات معقد، مصنوع من أنشطة واعية أو ذكريات أو حكايا.. فأنت عبارة عن المعلومات الخاصة بك ولأن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات يمكنها أن تؤثر بعمق في هذه الأنماط المعلوماتية، فهي حقيقة تكنولوجيات نافذة للذات)، إذ يبدو أنه (لا جدال في أن الجسد، سماته ووظائفه وأنشطته المعرفية - أقصد بذلك أيضا عواطفنا والوعي المصاحب لها - جميعها مختلطة معا على نحو لا ينفصم لتنشأ عنها الذات)، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي السبب التي (تجعلنا نقضي الكثير من وقتنا الواعي موجودين في مكان آخر)، نتابع منه ذواتنا من خلال أعين الآخرين التي تراقبنا وترصدنا عبر منصات التواصل الرقمية وتقدمنا إلى أنفسنا بمزيج من الآراء التي قد تكون في نهاية المطاف آراء غير صحية تؤدي بنا إلى تغيير سلوكنا وقناعاتنا وثقافاتنا إلى الأسوأ بدلا من الأفضل، (تحاول الذات أن ترى نفسها كما يراها الآخرون، عن طريق الاعتماد على تكنولوجيات المعلومات... لتبنى الهوية الافتراضية التي تسعى من خلالها إلى استيعاب الهوية الشخصية الخاصة بها السؤال من أنا بالنسبة إليك؟ يصير من أنا على الانترنت؟). وفي محور آخر مهم من محاور الكتاب وعلى وقع عشرات النماذج التي تضمنها بشأن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض غير أخلاقية لكسب الصراعات والحروب السياسية والاقتصادية بين الدول والمؤسسات والحكومات والمعارضة عبر التزوير والكذب والخداع وغسل الأدمغة والتجسس والتخريب، ومن بين تلك الأمثلة ما حدث في (27 أبريل 2007م، استخدم نحو مليون جهاز حاسب حول العالم من أجل هجمات على حكومة إستونيا وعلى مواقع الويب الخاصة بالشركات بهدف حجب الخدمة الموزعة (DDOS )، ويطالب الكاتب بتوفير بنية تحتية للأخلاق لضمان تعامل عادل مع الثورة التكنولوجية. (صوغ اطار أخلاقي يمكنه التعامل مع الإنفوسفير على أنه بيئة جديرة بأن تكون موضع الاهتمام الأخلاقي). الخلاصة من هذا العرض لواحد من أهم الإصدارات الحديثة أن العلم في الدول المتقدمة يتميز بالتكامل والتآزر وتخصصاته تكاد تسابق وتنافس بعضها فيما فيه مصالح البشرية وتخدم بعضها وتسهم في تحقيق المزيد من التقدم في مجال المعرفة، والدراسات الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية التي تبحث وتناقش الثورة التكنولوجية وتأثيراتها على الانسان إنما تقدم حلولا مهمة لمشكلات أخرى صحية ونفسية وأخلاقية وقانونية تتسبب فيها التكنولوجيا وهكذا بالنسبة لبقية العلوم وهو ما نفتقده في بلداننا العربية للأسف.