في الأزمات تنجلي وتتكشف معادن الأمم، وتظهر أجمل ما لدى مجتمعاتها من معاني الوفاء والصبر والإرادة والصلابة والقدرة على التعامل مع الظروف وتجاوزها مهما كانت شدتها وتصنيفها، وفي المقابل يتبدى ما يعتري كل أمة من ضعف وخلل ونقص وتأخر في قطاعات وتخصصات مرتبطة بالتحديث والعصرنة والتقدم والازدهار مثل التعليم والبحث العلمي والخدمات الصحية والبنية التحتية وهشاشة الاقتصاد وترهل وضمور مؤسسات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية وفي قيم الشفافية والوضوح وقصور بين في تحديث القوانين والتشريعات.. أو بالبنية الثقافية والسلوك والعادات والأعراف الاجتماعية تكون سببا في ارتفاع خسائر ومشاكل وكوارث الأزمات وضعف الوعي في التعامل معها. وبالتالي فإن قوة وضعف، تقدم وتخلف المجتمعات تعكس مستوى تطور وازدهار التربية والتعليم والمعرفة والثقافة، أو انكفائها وتراجعها وتأخرها، فتقدم الأزمة الحقائق والقراءات والمؤشرات التي تبنى عليها الخطط والبرامج المستقبلية، والفرصة للاستفادة من النتائج والدروس بدراسة وتعظيم المنافع وتعزيز أثرها وترسيخ ثقافتها في المجتمع والعمل على معالجة الأخطاء والثغرات وتعزيز البنى التحتية وتطوير التعليم وتقوية موارد الدولة، ومواصلة عمليات التحديث والتجديد والتغيير والإصلاح، وقد أكدت جائحة كورونا التي عصفت بالعالم، وأودت بأرواح عشرات الآلاف من البشر وشلت الحركة الاقتصادية وأوردتها وقطاعاتها المختلفة ونشاط الأسواق ووضعت حكومات العالم أمام خيارات صعبة وشحيحة إنقاذ الاقتصاد بالانفتاح أو وقاية مجتمعاتها وحمايتها من الفيروس بالمزيد من سياسات الاغلاق والحظر والعزل، وما زال العالم الذي يواجه "الموجة الثانية من الجائحة" يعاني من مشكلات واخفاقات وخسائر هائلة لم يحدث مثيلا لها في العصر الحديث، - أكدت - على جملة من الحقائق، من أهمها: * أن ازدهار الاقتصاد وتنوع مصادره وتعدد موارده ونموه المرضي، يشكل ضمانة وقوة للدول يمكنها من تجاوز أزماتها ويعزز قدراتها على التعامل مع آثارها ودعم وتحفيز الأسواق وشراء التقنيات والأمصال والتغلب على المشكلات، فقد ضخت الدول التي تمتلك اقتصادات قوية مليارات الدولارات لتحفيز اقتصاداتها وأسواقها، ومولت مراكز أبحاثها لدراسة وتجربة وتطوير الأمصال والأدوية، وأقرت بناء المزيد من المستشفيات والمؤسسات الصحية وأمدتها بأفضل الأجهزة والمعدات والأدوية الطبية لفحص ومعالجة وإنقاذ المصابين من مواطنيها بالكورونا . * إن تمويل التعليم والبحث العلمي والاهتمام بالكفاءات الوطنية له دور أساسي في احتضان المواهب وتحقيق الابتكار وارتفاع نسبة براءات الاختراع المسجلة، وتعزيز الثقة واكتشاف الحقائق والإسهام مع العالم المتحضر والمتقدم في إيجاد الحلول وتقديم المعالجات لاحتواء الأزمات والتقليل من أضرارها. * إن قيم الشفافية والوضوح والصراحة والعمل على تعميق الوعي والتكاتف والتعاضد والثقة بين الحكومات ومؤسسات الدولة المختلفة وقطاعاتها بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمعات.. له دور مهم وأساسي في التغلب على المشكلات والتعامل مع الوضع الطارئ بواقعية وفهم ومعرفة في وقت الازمات . لذلك علينا أن نستثمر أزمة كورونا في تقييم واقعنا وفهم وكشف أسرار قوتنا ومكامن ضعفنا وخللنا، ونحدث التغيير منطلقين إلى مستقبل أكثر إشراقا وازدهارا وقوة ونموا اقتصاديا، وتأثيرا في المسار الحضاري بتجاوز هذا العبث السياسي الذي تعيشه أمتنا العربية وبلداننا الخليجية، والعمل على التعافي من هذه المقاطعات الاقتصادية التي لن تؤدي إلا إلى المزيد من الضعف والتراجع والاعتماد على الآخر وتعميق الفجوة التي تفصلنا عن الركب الحضاري العالمي.