عامل الوقت - الذي تشح ساعاته ودقائقه مع تعدد مسئوليات الحياة ومشاغلها وأحداثها ووسائلها الترفيهية وهذا الانفجار الهائل في المعلومات - يقف مانعا أمام متابعتي للمسلسلات الطويلة ذات المواسم والأجزاء التي لا يظهر لمتابعها أن لها نهاية، المسلسل التركي (قيامة أرطغرل)، كان الاستثناء من القرار الذي اتخذته والتزمت به على مدى سنوات، فالأسلوب التشويقي والترويج المجاني والسرد المتواصل لأحداث حلقاته الذي يشغل معظم لقاءات الأصدقاء والإخوان وتستقطع مساحات منها للحديث عن المسلسل الملحمي الذي لم ينتج مثله من قبل ولن يكون له مثيل في الفخامة والاتقان والأداء والتشويق والامكانات الهائلة الفنية والمالية المسخرة لإنتاجه كما يروجون له، دفعني إلى متابعة حلقاته الأولى على أقل تقدير فضولا ورغبة في تقدير وتقييم وجهات نظرهم، مراهنا على أنني سوف أمله وأترك متابعته بعد مشاهدة عدد منها، وهو رهان أخذ منحى مغايرا عما توقعته، فقد استدرجتني أحداث حلقاته المشوقة لمرحلة زمنية حساسة من تاريخ الأمة وأسرتني مكناته الفنية الهائلة وأهالتني حبكته الدرامية العميقة ونجاح أبطاله في إتقان أدوار الشخصيات التاريخية التي يمثلونها. ومما لا شك فيه أن الاستثمار في هذه الأعمال الدرامية الملحمية يعزز الموارد المالية ويسهم في زيادة النمو ويحرك عشرات الأنشطة والأوردة الاقتصادية المعتمدة والممولة للقطاع الأساسي، فعلى سبيل المثال تم تصميم وتفصيل وخياطة أكثر من ألف نوع من الألبسة للمحاربين والرعاة والنساء والصليبيين والجنود العرب في حلب والمغول وصناعة الآلاف من قطع السلاح والسيوف والرماح والأقواس والدروع والمجانيق واستخدمت الجواهر والنحاسيات والأخشاب والخيام والأثاثات... التي قامت بها شركات ومصانع ومتعهدون بتوفيرها للمسلسل، هذا فضلا عن استئجار المواقع والقصور والأماكن التي يجري فيها تصوير حلقات المسلسل الذي بلغت تكلفة إنتاج الحلقة الواحدة منه (مليون و٢٠٠ ألف ليرة)، أي ما يعادل (٤٠٠ ألف دولار أمريكي)، ويوفر فرص عمل جديدة للباحثين عن عمل، ويروج للمواقع السياحية، فقد أخبرني صديق بأنه حول رحلته السياحية مع أسرته من إندونيسيا إلى تركيا بضغط من أولاده المتأثرين بمسلسل (قيامة ارطغرل) الذي بلغت مشاهدة إحدى حلقاته خلال بثها المباشر فقط ما يقارب من ١٥ مليون مشاهد، ويرفع عائدات الاعلان في شاشات التلفزة، فبحسب تقرير لقناة الجزيرة (ارتفعت بشكل جنوني رسوم الإعلانات التجارية ضمن مسلسلات الدراما التركية) حيث بلغ الاعلان لمدة (ثمان ثوان فقط على الشريط الاعلاني أثناء عرض مسلسل (قيامة أرطغرل) ١٧٠٠٠ ألف ليرة، أي ما يعادل ثلاثة آلاف دولار)، وأكد خبير بـ(شركة فرنسية أن عائد الإعلانات المصاحبة لعرض المسلسلات التركية على نحو ٤٠ فضائية عربية بلغ نحو ٦٠٠ مليون دولار). وقد اشترت حق بث المسلسل أكثر من ٨٥ دولة، وتعتبر تركيا (ثاني أكبر مصدر للمسلسلات على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية)، وحصل مسلسل (قيامة أرطغرل) على المركز الثاني في قائمة أعلى نسبة مشاهدة في العالم، ومع نهاية ٢٠١٤ بلغ إجمالي (العائدات من بيع حقوق بث المسلسلات التركية نحو ٢٠٠ مليون دولار، وتجاوزت العائدات سقف الـ (٢٥٠ مليون دولار في عام ٢٠١٥م)، وقفزت في ٢٠١٧ إلى أكثر من (٣٥٠ مليون دولار). تستثمر الأمم والدول والحكومات وتنافس من أجل تنمية مواردها وتعزيز استثماراتها في مختلف القطاعات لتحقيق النمو والتقدم والتطور.