تعمل الصين على تنفيذ مخطط اقتصادي بعيد الأمد من أهم مقوماته الاستثمار الخارجي، حيث توجه الصين بوصلتها للاستثمار في قطاعات واعدة وفي مناطق خصبة ونامية تمكنها من الاستفادة من عوائد الإقلاع الاقتصادي وتحقيق نفوذ اقتصادي ومالي عبر صناديق الصين الاستثمارية والقدرة المالية لبنوكها. وإذا تمعنا في الخريطة الاستثمارية للصين سنجد أنها تستهدف القارة الافريقية باعتبارها القارة الأكثر قدرة حاليا على تحقيق معدل نمو كبير، فحسب توقعات البنك الدولي لسنة 2018 ستحتل ست دول إفريقيا المراتب العشر الأولى في العالم من حيث معدل النمو، وهنا نجد مثلا أن غانا ستتربع على المرتبة الأولى عالميا بمعدل نمو يفوق 8.3% متبوعة بإثيوبيا بمعدل 8.2%.
ولطالما كانت إفريقيا مطمعا للدول الاستعمارية الكبيرة كفرنسا وبريطانيا من أجل استغلال مواردها الطبيعية، الزراعية، الطاقية وحتى البشرية، معتمدة في ذلك على مقاربة استعمارية فوقية وذلك بحكم سنوات الاستعمار والتأثير اللغوي والثقافي لهاتين الدولتين على الدول الإفريقية. فقد توجهت الشركات والمؤسسات الاقتصادية الأوروبية خلال العقود الماضية لإفريقيا كسوق استراتيجي خال من المنافسة ويمكن فيه تحقيق أرباح طائلة بعيدا عن الأسواق الأوروبية التي ما فتئت تعاني من التشبع الاستهلاكي والتضخم المالي المؤثران على التنافسية.
وخلال العقدين الأخيرين، عرفت القارة الإفريقية دخول منافس جديد وقوي لفرنسا، فالصين هي المستثمر الأول في إفريقيا بقيمة 36 مليار دولار سنويا ويبلغ مجموع الاستثمارات الصينية في إفريقيا ما يزيد عن 400 مليار دولار، كما يبلغ التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا 190 مليار دولار وهو حجم يفوق التبادل التجاري للقارة السمراء مع الولايات المتحدة الأمريكية، الهند وفرنسا مجتمعين.
فالصين تقدم نفسها كبديل عن الدول الاستعمارية عبر بوابة التعاون جنوب- جنوب، ومن خلال البعد التضامني لمناهضة الهيمنة الغربية، كما أنها تمكنت من تحقيق حضور وازن في إفريقيا حيث خصصت مشاريع للبنى التحتية من خلال بناء الطرق، المطارات، المصحّات والموانئ، فقد ساهمت الصين في تشييد 3300 كلم من الطرق في إفريقيا، أزيد من 100 مدرسة و200 محطة لتوليد الطاقة، ويلاحظ في هذا الشأن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية للصين المبنية على سياسة القرب والاستثمار في حاجيات وأولويات الدول الإفريقية، ناهيك على عدم فرض وصاية سياسية أو عسكرية على تلك الدول مما يجعل حضورها مقبولا ومرنا.