الادخار والاستثمار والخيارات المريحة

كلاهما لديه هدف في الحياة من ضمن أهداف كثيرة، وتحديد الأهداف والسعي لتحقيقها يضيء للإنسان المسار، ويقوده إلى طريق واضح المعالم ويشعره بقيمته ويرفع من مكانته ويجيبه على الأسئلة التي يطرحها بشكل دقيق، ويمكنه من تقييم انجازاته وأوضاعه وما يمتلكه من قدرات وخبرات وإمكانيات مالية وفنية وتعليمية، ويحفزه على العمل والمبادرة والتصميم على بلوغ النجاح، ويقدمه نموذجا صالحا لأسرته ومجتمعه وهي غاية وجود الانسان، ولا معنى للحياة بدون هدف يزيل اللبس والغموض وينظم الوقت والجهد ويضبط المسارات والمراحل وما تحقق في كل منها، وكثيرا ما تتفق الأهداف عند البشر ولكن الوسيلة تختلف.  قرر سعيد أن يأخذ قرضا من البنك يخصص نصفه لشراء أرض بغرض بيعها بعد فترة أملا في أن ترتفع قيمتها، والنصف الآخر يستثمره في سوق المال وتأسيس محفظة يستفيد من أرباحها السنوية في تعزيز دخله أو من خلال المضاربة إذا وجدت الفرص، فالاستثمار فيهما أي العقار وسوق المال عبر مكاتب الوساطة سهل يسير ولا يتطلب عمقا في التفكير ولا خبرة ووقتا ومغامرة كما هي حال المشاريع والأعمال التجارية.  أحمد حدد ذات الهدف ولكنه فضل أن يدخر نسبة مقدرة من راتبه وفق برنامج شهري، ويشتري بها أسهما مختارة كل سنة، وهكذا واصل جمع الأسهم كلما ادخر ما يكفي من المال، وكانت أسعار شرائها متباينة من فترة إلى أخرى، وبعد سنوات اشترى أرضا في موقع استراتيجي قدر بأن قيمتها سوف ترتفع في المستقبل، تحقق هدف أحمد متأخرا لأنه فضل الادخار وجمع المال على مراحل، وتقدمه سعيد بسنوات لأنه اعتمد على القرض البنكي. أخذ اتجاه السوق عكس ما تمناه وخطط له كل من أحمد وسعيد، فقد انخفضت قيمة الأسهم وتراجعت أسعار الأراضي بسبب تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية وضعف النمو وشبح الكساد الاقتصادي المخيم واحجام المستثمرين عن الشراء في السوقين، بل وفضل الكثير منهم التخلص من الأسهم وان بخسائر قليلة بديلا من متابعة الاستنزاف ومضاعفة الخسارة، فكيف كان وقع الأزمة على أحمد وسعيد وكيف تعاملا معها؟  كان خوف سعيد مضاعفا كون أن الاستثمار قائم على تمويل بنكي يستقطع جزءا مهما من راتبه وفوائد ضاغطة تنمو باستمرار فالخسائر بالنسبة له أخذت اتجاهين، لذلك سارع بالتخلص من الأرض والأسهم ببيعهما مع خسائر كبيرة، فيما فضل أحمد الانتظار بالاحتفاظ بأرضه وأسهمه على فرضية أن السوق يضعف ويمرض وسرعان ما ينتعش وينشط ويرتفع وفقا للدورة الاقتصادية المعروفة، ولا موجب يدفعه إلى البيع بخسارة فادحة كقرض وفوائد وخلافه، كما أن ارباح الأسهم السنوية ما تزال تسهم في زيادة دخله وان كانت قد تراجعت عما كانت عليه، وصاحب قراره الصواب فلم تمض أكثر من سنتين حتى ارتفعت الأسهم والأراضي تدريجيا، وكانت مجزية ورابحة بعد سنتين أخرى. إن الادخار من الراتب واستثمار جزء منه في السوق في أنشطة مفيدة أكثر نفعا وعائدا للمواطن البسيط من التمويل البنكي، ويضع المستثمر أمام خيارات مريحة في الاحتفاظ أو التخلص من استثماراته...