جميع الدول والحكومات المسؤولة تحاول تحقيق النمو والثروة والبحبوحة لشعوبها. تكمن المشكلة في إيجاد العوامل والموارد التي تسمح بتحقيق الأهداف. في الفترات الحياتية الصعبة كالتي نعيش خلالها اليوم، تغيب عن أذهاننا العوامل طويلة الأمد للتطور لأننا غارقون في مشاكلنا. تحديات التقدم التكنولوجي والكورونا ليست بسيطة ومستمرة والمعالجة تتطلب سياسات جديدة وقدرات مالية وفكرية كبيرة. المهم تبقى النتائج على صعيدي النمو والتنمية الإنسانية. في دراسة للاقتصادي «روبرت سولو» حامل جائزة نوبل للاقتصاد يقول فيها إن زيادة الادخار لا تؤدي إلى ارتفاع نسب النمو الطويل الأمد. مصدر النمو في رأيه هو زيادة الإنتاجية، وهذا ما يتم إهماله عربيا. نلاحظ التركيز من قبل الدول النامية والناشئة على تجميع الادخار لتمويل الاستثمارات، ونرى أيضا أن النتائج لا تكون فضلى أحيانا. قسم «سولو» مصادر النمو إلى زيادة رأس المال وزيادة عدد العمال لكنه لم يجد أنها تكفي لإحداث النمو الطويل الأمد. زيادة الإنتاجية المبنية على المعرفة والتجدد والعلم هي الأساس. مصدر النمو في رأيه هو التطور التكنولوجي الذي يؤدي إلى رفع الإنتاجية وبالتالي رفع مستوى المعيشة للجميع. الفارق الأساسي بين الدول الصناعية والنامية ليس الغنى المادي أو إنتاج السلع والخدمات بل التباين الكبير في مستويات المعرفة. تحقيق النمو في الدول الفقيرة يعتمد على تضييق فارق المعرفة مع الدول الغنية. لتضييقها قواعد وتجارب لا يمكن نسخها بسهولة لأنها تعتمد على الثقافة والتاريخ، وبالتالي التعلم يتطلب الجهد دون النسخ. الفارق بين تضييق فجوة المعرفة والفجوات الأخرى هو أن الأولى تتحرك وبالتالي هي عملية مستمرة. تعتمد المعرفة على وجود مجتمع راغب وقادر للتعلم والاستفادة من التجارب. تعتمد على استفادة المجتمع من تقدم العلوم، وهذا ليس متوافرا في كل الدول. حرية الاقتصاد مهمة جدا لكنها لا تكفي لإلغاء فجوة المعرفة التي تتطلب جهودا من قِبَل الحكومات والمؤسسات الفكرية من جامعات ومدارس وغيرها. تتطلب أيضا تعديلات مناسبة حديثة مستمرة في برامج التعليم والبحوث والتطوير. ثم أتى «كينيث أررو» حامل آخر لجائزة نوبل ليفسر التقدم التكنولوجي مرتكزا على فكرة النمو من الداخل، فالبحث والتطوير يسبقان الإنتاج ويقللان من إمكانية الأخطاء وإضاعة الوقت. التعلم من التجربة يأتي من الأخطاء أو من ضعف المعرفة وبالتالي هو مهم ومكلف. لذا يرتكز النمو على المعرفة أو بالأحرى على إنتاج المعرفة الذي يختلف عن إنتاج كافة السلع والخدمات، فهو أصعب وأدق لكنه دائم. عندما يحصل النمو من الداخل، تخف المنافسة لأن هذه الاستثمارات العلمية تحتاج إلى شركات أو مؤسسات كبيرة تقوم بها. ضعف المنافسة يؤدي إلى انخفاض الفعالية والإنتاجية مما يؤثر سلبا على تطور الاقتصاد والمستوى المعيشي للمواطن. لذا تدرس الدول مختلف السياسات التي تساهم في رفع إنتاجية الاقتصاد أي التجارية والصناعية كما سياسات سعر الصرف. في كل منها، هنالك دور كبير للمعرفة ربما يكون خفيا لكنه موجود.