تجارة الجملة... تجارة أم وساطة تجارية؟

حاجات الإنسان لا تنتهي ورغباته ليس لها حدود، فمنذ أن بدأت مجتمعاتنا الإنسانية وحتى يومنا لم يذكر التاريخ دولة أو مجتمعا قادرا على تحقيق جميع رغبات أو احتياجات أفراده بالاعتماد على موارده الداخلية فقط، فنظرة سريعة على الخريطة الجغرافية تجعلنا نرى وبكل وضوح أن موارد المياه بعيدة عن آبار النفط والغاز، وأن الأراضي الزراعية بمُعظمها بعيدة عن أماكن التمركز السكاني، حتى أن تحدثنا عن تفاصيل الزراعة نفسِها فإن نبتة الشاي تأتي من الشرق أما حبة القهوة فتأتينا من الغرب، وكذلك فالقمح يأتي من مكان يختلف عن مكان زراعة الأرز وغيرها الكثير والكثير، هذا التنوع والاختلاف بالموارد الطبيعية إضافة إلى الحاجة الهامة لجميع تلك الموارد خلق لدى الإنسان فكرة المقايضة والتي تطورت وتغيرت لاحقا لتتحول لعمليات تجارية يتبادل بها الناس بضائعهم وخدماتهم مقابل النقود وهي العملية التي كانت على مرِّ التاريخ سببًا أساسيا في حدوث تطورات كبيرة في نظام الحياة الإنسانية للأفراد والمجتمعات، وهي أيضا نفس الفكرة التي جعلت ومع مرور الوقت فكرة "التجارة والأعمال الحرة" حلم كل موظف لتأخذ التجارة دوما صورة الطريقة السهلة والسريعة للبدء بالأعمال الخاصة بعيدا عن تعقيدات الأعمال ومتطلبات الدراسة والتعلم، فالعملية كاملة تتكون من خطوتين سريعتين ألا وهما شراء البضائع ثم إعادة بيعها وهو ما يجعل من هذه العملية وبشكلها السابق والبسيط أحد أكثر وأهم بل وأقدم الأنشطة التي مارسها الإنسان حيث اتفق معظم المؤرخين على أن تاريخ التجارة يعود إلى حوالي 10 آلاف عام قبل الميلاد وذلك حين كانت تتركز في عمليات تربية المواشي والمتاجرة فيها كونها أبرز الموارد الغذائية التي يملكها البعض ويحتاجها وبكل تأكيد البعض الآخر، ومع مرور الوقت بدأت تظهر بعض العمليات التجارية بعيدًا عن تجارة المواشي والتي كان من أهمها تجارة الحرير والأقمشة والورق والبارود، ثم بدأت بعد ذلك تظهر الأسواق التجارية البسيطة التي تنشط فيها عمليات البيع والشراء لتأخذ بعدها التجارة الطابع الخارجي من خلال تسيير القوافل التجارية عبر طرق التجارة العالمية للاستفادة من بعض السلع التي يتم إنتاجها في بعض مناطق العالم البعيدة، وهو ما ساهم في انتشار العديد من المنتجات على نطاق واسع وعدم اقتصارها على المناطق التي يتم إنتاجها بها، وهو ما فتح الباب لاحقا أمام ما يُسمى بتجارة الجُملة، وهنا يأتي السؤال، فما هي تجارة الجُملة؟ وما هي أهميتها وأنواعها؟ وما هي أهمية كل نوع؟ بداية وبشكل عام وبسيط فإنه يُمكننا تعريف تجارة الجُملة على أنها كافة الأنشطة المُتعلِقة ببيع السلع والخدمات للأطراف التي تقوم بإعادة بيعها أو استخدامها لإنتاج سلع أو خدمات أخرى، وهذا التعريف وبالرغم من سهولته إلا أنه يحمل بين كلماته شروطا وقواعد عديدة يأتي على رأسها شرط أن تاجر الجملة بشكل عام وبغض النظر عن المواد التي يبيعها لكنه لا يتعامل مباشرة مع المُستهلك بل يقوم ببيع البضائع لوسطاء آخرين ينقل عبرهم تلك البضائع للمستهلك النهائي، وهنا قد يتدخل البعض ليسأل وبشكل منطقي، لماذا يبحث التجّار عن طرف ثالث لبيع بضائعهم إن كانوا قادرين على بيعها مباشرة للمستهلكين؟ وهنا تأتي الإجابة وبشكل سريع عبر أهم الخدمات التي يُقدِمها تاجر التجزئة في عملية بيع البضائع والتي من أهمها ما يلي: تأمين نقاط بيع دائمة ومتنوعة بالإضافة إلى تقديم خدمات الصيانة والإصلاح، كذلك فإن القبول بالتعامل بطُرق الدفع المختلفة والتي قد تتحول لديون تُحصَّل لاحقا وغيرها من المعطيات كلها تفاصيل جعلت من تاجر الجملة يشتري الوقت والمجهود عندما يبيع بضاعته لتجّار التجزئة الذين غالبا ما ينقلونها وبدورهم للمستهلكين، فتاجر الجُملة يبحث عن الربح السريع ولو كان قليلا فهو كالنحلة التي تتنقل من زهرة إلى زهرة بحثا عن أفضلها وأوفرها رحيقا. ونظرا لتشعب عمليات تجارة الجملة وتنوُعِها الكبير واتساع رقعة حدودها الجغرافية فقد كان لا بد من تقسيمها إلى عدة أنواع يأتي على رأسها تاجر الجُملة الداخلي أو المحلي وهو التاجر الذي يقوم ببيع وتوزيع المنتجات داخل حدود الدولة وبالتالي فإنه يستهدف بشكل أساسي الأسواق الداخلية، وكذلك تاجر الجُملة الخارجي وهو التاجر الذي يقوم ببيع البضائع خارج حدود الدولة عبر عدة أسواق دولية خارجية وهو بالتالي يستهدف الأسواق الخارجية ويبحث عن العمل في جميع مناطق العالم. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن التجارة وبشكلها الجديد والمُتطور والتي تعتمد وتقوم على فكرة التجارة الإلكترونية قد تتحول مع الوقت لأداة ضغط أساسية على كثير من التجار وخاصة تُجار التجزئة منهم لتصبح السلع متاحة عبر تُجّار الجُملة الدوليين وبشكل سهل وسريع وقريب من جميع المستهلكين الذين يمكنهم وبمجرد استصدار بطاقاتهم البنكية شراء أي منتج في العالم أينما كان وبأي وقت، وهو الأمر الذي قد يخلق لاحقا نوعا من الاتحاد بين وظائف كل من تاجر الجملة وتاجر التجزئة وهو ما قد يجعل وفي يوم من الأيام الجميع ينصهر ويذوب تحت كلمة واحدة وهي "تاجر" دون أي تصنيفات أخرى، وهنا أتذكر مقولة المؤلف الشهير" أميت كالانتري " حين قال "يُمكن للعالم أن يستمر بدون نقود وعملات ولكن لا يمكنه ذلك بدون قطاع الأعمال والتجارة".