دروس كهربائية دولية

لبنان ليس الدولة الوحيدة التي عانت أو تعاني من نقص في الانتاج الكهربائي مقارنة بالطلب. مرت مناطق ودول أخرى بتجارب مماثلة لكنها أوجدت حلولا مناسبة. في الدول الصناعية، عانت ولاية كاليفورنيا من مشكلة كهربائية جدية نتيجة ارتفاع الطلب فوق الامكانات الانتاجية. رفض السياسيون رفع التعريفة كما حصل لسنوات في لبنان. طلب من المستهلكين ترشيد الاستهلاك دون اعطائهم حوافز، وبالتالي لم ينفذوا المطلوب والمنطقي. لم تحل المشكلة الا بعد زيادة الانتاج ورفع التعريفات. في دولة النيبال وبين سنتي 2006 و 2017، حصلت مشكلة كهربائية جدية. كانت ادارة الخدمة سيئة والتعريفات منخفضة فتحققت خسائر مادية كبيرة. كانت الكهرباء تنقطع لساعات طويلة خلال ال 24 ساعة. قدرت خسائر الدولة ب 11 مليار دولار من ناتجها خلال 9 سنوات أو 6% من الناتج سنويا. لو لم تكن هنالك مشكلة كهربائية لارتفعت الاستثمارات السنوية 48% تبعا لتقديرات البنك الدولي. كما أن الصادرات تدنت سنويا 2,8% وكذلك الواردات 5,4% نتيجة ضعف الناتج وبالتالي تعثر أحوال المواطنين. لأن مسؤولية المشرفين على القطاع كانت بالمستوى المطلوب، حصل تغيير مقبول في التعريفات حقق التوازن بين العرض والطلب وسمح للدولة بتحسين نوعية العرض وتخفيف وطأة الأزمة على المواطن النيبالي. تبين للمسؤولين قبل ذلك أن المواطنين مستعدون لدفع تعريفات أعلى مقابل تحسين الخدمة. المشكلة في لبنان هي غياب الثقة، اذ يخاف المواطن من أن ترفع التعريفات ولا تتحسن الخدمة. لذا يجب أن نعطي الثقة ونحاسب لاحقا. قامت النيبال بتحسين اداء الادارات المسؤولة عن الكهرباء ورفع فعاليتها. تم استعمال الطاقات الموجودة من بشرية ومادية ومؤسساتية بذكاء ونجحت. لذا انخفضت تكلفة الخدمة وارتفع الانتاج حتى مع الامكانات المتوافرة وتحسن النقل. تم تحسين الجباية بسرعة مع تعاون المواطنين والشركات والمؤسسات. خف انقطاع التيار الكهربائي الى حدود مدهشة نتيجة الجدية في اتخاذ القرارات وتنفيذها. كما أن النيبال وغيرها نوعت انتاجها الكهربائي معتمدة على الطاقات البديلة أي المائية والشمسية والهوائية والحرارية. أما تخزين الطاقة عبر البطاريات، فهو جيد لكنه ليس كافيا للمدن الكبيرة. تحتاج الطاقة الشمسية والهوائية الى مساحات أرض كبيرة يمكن ألا تتوافر في الدول أو المناطق الصغيرة، وهنالك من يخاف من تأثيراتها السلبية على البيئة. الطاقة النووية مهمة لكنها ذات مخاطر عالية ومكلفة في استثماراتها وبالتالي فوق امكانات معظم الدول النامية والناشئة. لأن هنالك حدود لمدى استعمال الشمس والهواء والمياه لانتاج الطاقة، توجد معدلات عالمية لدورها بحدود 1,5% من المجموع. هنالك اتجاه دولي لتنويع مصادر الطاقة مع الحرب الأوكرانية أي عمليا تخفيف الاعتماد على الطاقات التقليدية من فحم ونفط وغاز. هنالك دول نامية وناشئة عدة استثمرت بذكاء في طاقاتها الكهربائية، وها هي تصدر بعض هذه الطاقات وتحصل ايرادات تسمح لها بتجديد معاملها ومعداتها. هل يمكن للبنان أن ينجح حيث نجحت النيبال أم نبقى عاجزين كهربائيا؟.