اعتمد المصرف المركزي الأمريكي لعقود سياسة الفوائد المنخفضة لتشجيع الاستثمارات، بدأ أخيرا في رفعها مما سبب اعتراض الرئيس ترامب عليها علنا، علما بأن الرئيس لا يتدخل، بل لا يجب أن يتدخل، في السياسة النقدية. يفسر ترامب رفع الفوائد بالمنطق السياسي، أي أنها ربما تهدف إلى ضرب النمو لتخفيف حظوظ التجديد له. لم تكن هذه السياسة السابقة من دون مخاطر، إذ شجعت العملاء في الأسواق على الاقتراض وشراء العقارات والشقق، بل الأصول عموما. خلقت مشكلتان، أولاهما ارتفاع حجم الاقتراض والديون إلى حدود خطرة، كما ارتفاع أسعار العقارات مما خلق مشكلة سكنية واجتماعية كبيرة. تحاول المصارف المركزية رفع الفوائد مجددا خوفا من التضخم، هنالك مخاطر كبيرة يمكن أن تنتج عن رفع الفوائد خاصة إذا تم بسرعة. رفعها يجعل من إمكانية تسديد القروض الكبيرة الحالية أمرا صعبا، لذا من الممكن أن تتجدد عندها الأزمات المصرفية التي حصلت في سنة 2008. منذ الركود الكبير حصلت عمليات دمج مصرفية كبيرة، أي أن سقوط أي من المصارف يحدث أزمة في الأسواق ليس في دول معينة وإنما عالميا. هنا تكمن التكلفة المرتفعة لأي سقوط تفوق ما حصل سابقا، علما بأن من يسدد الفاتورة يبقى دافع الضرائب الذي يعاني معيشيا ولا قدرة له على تحمل الأعباء. في الحقيقة من استفاد من السياسات النقدية السابقة هي شركات المال والتكنولوجيا، وبالتالي ستكون أول المتضررين من تغيير هذه السياسات. حققت هذه الشركات ارتفاعا مدهشا في أجور موظفيها وارتفعت إنتاجيتها، علما بأنها غير معروفة بتوظيفها الكبير وبالتالي تؤثر قليلا على البطالة. لذا تحول الاقتصاد العالمي إلى فريقين، أولهما غني ومنتج واستفاد من النمو لكنه وفر فرص عمل قليلة، وثانيهما الأكثرية التي لم تدخل إليها التكنولوجيا الرقمية الحديثة فبقيت جامدة ولم تنمو بالنسب المتوقعة. تبقى التكنولوجيا أساس النمو والغنى في عالمنا اليوم، وهذا ما تشير إليه القيمة السوقية للشركات الأكبر عالميا حيث تشكل شركات التكنولوجيا 70% منها. تبلغ مثلا القيمة السوقية لشركة «أبل» ألف مليار دولار وهذا ما لم تصل إليه أي شركة حتى اليوم. استمرار «أبل» في التفوق يفرض عليها الاستمرار في التجديد وخلق السلع الجديدة التي تستجيب إلى مطالب المستهلكين. تفوقها يفرض عليها الاستثمار في البحث والتطوير وهذا ما تقوم به، حيث أنفقت 8,6 مليار دولار منذ أول السنة على هذا الهدف. تغيير السياسة النقدية سيؤثر سلبا على شركات التكنولوجيا التي استفادت من الفوائد المنخفضة وستتضرر من رفعها. بعد سنوات من الازدهار المتواصل للأسواق، لا أحد يعرف كيف سينتهي الربيع الحالي مع الحرب التجارية الترامبية التي تدق الأبواب. تبقى الأزمات مختلفة في خصائصها، إلا أن هنالك أمورا تجب مراقبتها. بالإضافة إلى مستوى الفوائد والتجدد التكنولوجي، هنالك القوانين حيث هنالك رغبة عالمية في فرض تحجيم الشركات دعما للمنافسة وتجنبا لوقوع خسائر كبرى في حال تأزمت الأسواق.