بغير حصافة...

تزيد مديونية الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي مجتمعة عن 40 تريليون دولار، ما يطرح السؤال عن المستوى المثالي المستهدف للدين العام؟ بعد أن أصبحت المديونيات العامة أحد أهم أسباب الهشاشة في التعافي الاقتصادي العالمي والمحلي، ورغم تباين وعدم وجود مسطرة واحدة لقياس المستوى المثالي للمديونية؛ إلا أن مؤشر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يعتبر ذا دلالة.  تتفاوت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بين دولة وأخرى قياسا بحجم اقتصادها، وامكانياتها، ومحركات نموها الاقتصادي، وإيراداتها -حجما ومصادر- والتي تمكنها من الوفاء بالتزاماتها بسداد الأقساط والفوائد معا في مواعيدها، وقد حدد الاتحاد الأوروبي هذه النسبة عند مستوى 60% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ما يعني أن معظم الاقتصاديات الكبرى كمثل الاقتصاد الياباني الذي تبلغ هذه النسبة لديه حوالي 238%، والإيطالي 127%، والإيرلندي 117%، والأمريكي 107%، والبريطاني 90%، تعاني من مشكلات قد تعوق قدرتها على سداد تلك المديونية؛ أو قد تؤثر على أوضاعها الاقتصادية. ديون الاقتصاديات الكبرى في غالبيتها داخلية ومحررة بعملاتها، كالديون الأمريكية المقومة بالدولار، ما يسمح بتحكمها بها، وخفض أسعار صرف عملاتها لزيادة صادراتها، وحتى تحويل أزمة ديونها نحو بلدان أخرى، ومع ذلك فهي تواجه مشكلات بتحمل أعبائها بدون اتخاذ قرارات صعبة خصوصا على صعيد زيادة الضرائب، أو تقليص النفاقات، مع النتائج السلبية المتوقعه كتراجع إنفاق المستهلكين، وانخفاض معدلات التضخم إلى ما دون 2%، وزيادة معدلات البطالة - تبلغ أكثر من 10% في الاتحاد الأوروبي، و20% في اليونان وإسبانيا حيث الديون المرتفعة - مما قد يدخلها في دورات من الركود الاقتصادي التي تحتاج لمزيد من التيسير الكمي الذي وصل بالبنوك المركزية حد إقرار الفائدة السلبية بغية دفع أصحاب الأموال لاستثمارها. دول أخرى كثيرة ومنها دول عربية لا تملك مثل تلك الهوامش للتعامل مع مديونياتها، ومع ذلك تلجأ-بغير حصافة- للاستشهاد بنسبة الدين المرتفعة إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول المتقدمة للإيحاء إن مديونياتها -المحررة بنسبة تتجاوز 60% منها بالعملات الأجنبية وهنا الخطر- في مأمن من العواقب المترتبة على تصاعدها؛ بدليل عدم وصولها للنسب في الدول المتقدمة، لتبرير المزيد منها كبديل موضوعي عن بذل الجهود المتكاملة لزيادة النمو الاقتصادي، ومحاربة الفساد، والحد من الهدر في النفقات، وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات "الضائعة"، وهي إجراءات تساهم مع غيرها بتوليد إيرادات جديدة عوضا عن الاستدانة، لذلك فهي تروج للحل الأسهل الديون والمزيد منها؛ حتى لو ارتفعت كلفها وشروط سدادها، وانخفضت مستويات معيشة مواطنيها.  الدول الاقتصادية الكبرى تقدم بنسبة دينها إلى ناتجها المحلي الإجمالي نموذجا سيئا للدول الناشئة والنامية ذات المديونية المرتفعة، ما يحملها مسؤولية كبيرة لتخفيض مديونياتها لتحسين فرص نمو الاقتصادي العالمي من جهة، وتقديم النصح للدول المدينة الأخرى مباشرة أو بواسطة المؤسسات المالية الدولية حتى لا تأخذها كمثال لمديونيتها لاختلاف أسباب ونتائج كل منهما من جهة ثانية.