عودتنا مجلة الدوحة الأدبية، إلى جانب ما تتضمنه ملفاتها الثقافية والفنية المتنوعة من تقارير ومقالات وملفات قيمة، أن تقدم لقرائها مع كل عدد من أعدادها هدية مجانية لا تقدر بثمن، عبارة عن (كتاب) يتم اختياره بعناية ضمن مشروع تثقيفي تنويري يهدف إلى تعزيز الوعي وتنمية الشعور الوطني وتحقيق غايات التقدم والنهوض من كبوة التخلف وتوليد الأسئلة المحفزة على التفكير والإبداع التي يطرحها المفكر والمثقف وبذل الجهد للإجابة عنها بغية إحداث انفراج للأزمات التي تمر بها الأمة العربية.. من بين هذه الكتب المهمة التي يحسن بكل عربي أن يقرأه بعناية ليستفيد من رسالته ويستخلص الدروس من المقارنات التي يتضمنها بين حال العرب والشعوب الأخرى، عبر زمن مضى عليه أكثر من 100 عام وآخر نعيشه، كتاب (رحلتان إلى اليابان)، يفصل بين الرحلة الأولى التي قام بها علي أحمد الجرجاوي في 1906 والثانية التي تحدث عنها الدكتور صبري حافظ في 2012م، قرن من الزمن. تكمن أهمية الكتاب فيما يعرضه من معلومات هامة وما يحدثه في القارئ العربي من مشاعر الألم والحزن على واقع المقارنات والأسئلة الدقيقة والإجابات الحصيفة التي يستخلصها من القراءة المتأنية لفترات تاريخية تعد مفصلية في حياة العرب، وتنمية الشعور بأهمية التغيير واللحاق بالركب الحضاري. أهدى الجرجاوي رحلته عن (أخبار تلك الأمة الراقية) اليابانية، إلى كل (عالم وأديب في مصر، خصوصا الناشئة الحديثة التي هي موضع آمال الأمة) بهدف (نفع بلادي وخدمة ديني وجامعتي)، فكلا الكاتبين يسعيان من عرض تجربتهما إلى تحقيق التقدم لبلادهما (واستلهام النماذج التي طورت نفسها، وحظيت بمكانة مرموقة بين الأمم)، وتطبيقها على مصر خاصة والبلاد العربية على وجه العموم. فلماذا واصلت اليابان نهضتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولحقتها شعوب وأمم وبلدان عديدة في المشرق والمغرب؟ فيما جرت أحوال الأمة عكس المسار النهضوي التقدمي الذي ميز هذا العصر فشهدت المزيد من التخلف والجهل والانقسام وأتت الحروب الداخلية الطاحنة على المكتسبات والإنجازات الحضارية والمدنية العصرية؟ لماذا لم ينجح العرب في تجاوز صدمتهم الحضارية الأولى في (منتصف القرن السابع عشر، عندما تنبهوا للهوة الواسعة بينهم وبين الغرب) رغم المحاولات الجادة والجهود الحثيثة من قبل المفكرين والمثقفين والكتاب (لإعادة اكتشاف) أسباب الواقع العربي وتحريره من العوائق و(مسببات التأخر). لقد رصدت الرحلة الأولى بذور النهضة اليابانية العلمية وانطلاقتها الحضارية وإصرار اليابانيين على بلوغ الحداثة وتحقيق التطور، وما تشهده اليابان من تقدم سريع خاصة في مجال النقل والاتصال والصناعة، لقد كانت وسيلة (المواصلات الوحيدة التي تنقل مصريا إلى اليابان في مطلع القرن العشرين، هي القطار ثم السفينة، بينما كانت الطائرة والنفاثات العملاقة بالتحديد، قد قلصت زمن الرحلة التي استغرقت شهورا في الرحلة الأولى كي يصل صاحبها إلى اليابان، فلم تتجاوز عدة ساعات في الثانية)، وبالرغم من أن الحرب العالمية الثانية التي وضعت أوزارها في الثاني من سبتمبر عام 1945، أدت إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية والاقتصاد الياباني، وطمس الإنجازات التي تحققت ورصدت رحلة الجرجاوي انطلاقتها، إلا أنها لم تتحول إلى عائق أخرها عن النهوض والتقدم، بل العكس هو الصحيح، فقد كانت عاملا لتحقيق النهضة العلمية والاقتصادية الثانية ودرسا استلهمت منه القدرة على كيفية التغلب على التحديات وتجاوز صدمة الحرب وأهوالها.