- تزداد معدلات اقتصاد الظل في الدول النامية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة
- يعد اقتصاد الظل سببا من أسباب تخلف المجتمعات لإهداره الموارد المادية والبشرية
- البطالة المقنعة تخلق لدى العاملين شعوراً بضعف طاقاتهم وإنتاجيتهم فيبحثون عن فرص بديلة
أصبحت الأعمال غير الشرعية وممارسات الاحتيال المتعلقة بالأمان الاجتماعي والجريمة الاقتصادية وغيرها من أنشطة اقتصاد الظل أو ما يطلق عليه في بعض الأحيان الاقتصاد غير الرسمي مشكلة عالمية.
ويستخدم كتاب اقتصاد الظل: مسح عالمي للمؤلفين فريدريك شنيدر- دومينيك إتش إنستي بيانات جديدة لإعادة تقييم الطلب على العملة بهدف تقدير حجم اقتصاد الظل في 151 دولة نامية حول العالم وأيضا تلك التي تمر بمراحل انتقالية وكذا الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويعرف المؤلفان أن اقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمي هو اقتصاد لا يخضع للرقابة الحكومية أو التشريعات الصادرة، وهو لا يشمل الأنشطة غير المشروعة فقط بل يشمل أيضا أشكال الدخل غير المصرح بها والمتحققة من إنتاج السلع والخدمات المشروعة.
ويقول مؤلفا الكتاب إنه وإبان العشر سنوات الأولى من الألفية الحالية تفاوت متوسط حجم اقتصاد الظل من 19% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول التي تمر بمراحل انتقالية، إلى 45% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول النامية.
ويستكشف الكتاب الأسباب والتداعيات الناجمة عن نمو اقتصاد الظل، مستخدما في ذلك نهجا متكاملا لتفسير السلوك المنحرف الذي تفسره النتائج المستخلصة من الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية.
ويشير المؤلفان في الكتاب إلى أن الضرائب المتصاعدة وكذا المساهمات الخاصة بالأمان الاجتماعي والأنشطة التنظيمية الرسمية المتزايدة، من بين آخرى، كلها عوامل تسهم في دفع هذا النمو، ويقترح المؤلفان أيضا إصلاح المؤسسات العامة بغية تحسين ديناميكيات الاقتصاد الرسمي.
ويوضح الكتاب أنه وفي ثمانينيات القرن الماضي، تمت مناقشة الأسباب والمسببات والمشكلات الناتجة عن زيادة أنشطة اقتصاد الظل في عديد من الدول ولاسيما تلك الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي عقد التسعينيات من القرن ذاته، جذب اقتصاد الظل اهتماما كبيرا بسبب الارتفاع الدراماتيكي في معدلات البطالة (على سبيل المثال في الاتحاد الأوروبي) وكذا المشكلات المتعلقة بالإنفاق العام التمويلي، بالإضافة إلى القلق المتزايد والإحباط من السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ويواجه السياسيون وصناع القرار الآن معضلة كبيرة، فبرغم أن الأثرياء يتهربون من دفع الضرائب المستحقة عليهم، وما ينتج عن ذلك من مشكلات اجتماعية خطيرة، لا يواجه العمال غير الشرعيين سوى قليل من الانتقادات.
ولفت الكتاب إلى أن اقتصاد الظل يتعلق بالاحتيال الاجتماعي والعمالة غير الشرعية والتهرب الضريبي، ويطرح السؤالان التاليان: هل فرض مزيد من العقوبات والضوابط واللوائح التنظيمية، هي الحل الأمثل لمكافحة العمل غير الشرعي؟ ما هي الوسيلة المناسبة للتعامل مع هذا النوع من العمل غير المعلن؟
ثلاثة جوانب
ويضيف المؤلفان أن الاهتمام الرئيسي باقتصاد الظل يتمحور حول ثلاثة جوانب، هي كالتالي:
(1) في السياسة الاقتصادية والاجتماعية: العامل الأساسي في التعامل مع العمل غير الشرعي هو الحقيقة القائلة إن تلك الأنشطة غير القانونية وشبه القانونية غير مرغوب فيه بالنسبة للمؤسسات الرسمية، واقتصاد الظل المتنامي يمكن أن يُرى في ردة فعل الأفراد الذين يشعرون بالأعباء الثقيلة التي تفرضهما عليهم الدولة، وعلاوة على ذلك فإن تأثيرات اقتصاد الظل على الاقتصاد الرسمي يتعين أخذها في الاعتبار نظرا لأن اقتصاد الظل المتنامي ربما يجذب العمال (المحللين والأجانب) من سوق العمل الرسمية ويخلق منافسة شديدة بين الشركات الرسمية، وعلى الجانب الأخر، فإن ثلثي الدخول المتحققة في اقتصاد الظل على الأقل، يتم إنفاقها في الاقتصاد الرسمي، ومن ثم يكون لها تأثيرا إيجابيا ومحفزا على هذا الاقتصاد.
(2) في العلوم الاجتماعية: اقتصاد الظل يمثل أولا وأخيرا تحديا للنظرية والسياسة الاقتصادية.
ففي العلوم الاقتصادية والاجتماعية، يتعين إيجاد أجوبة على أسئلة مثل: لماذا يمارس الأشخاص العمل غير الشرعي؟ لماذا تتم المعاملات في اقتصاد الظل؟ ما هي التأثيرات الناتجة عن هذا السلوك؟
(3) المهمة الأكثر خطورة بالنسبة للباحثين السياسيين تتمثل في نقل نتائج التحليل العلمي إلى السياسيين وصناع القرار، ثم بعد ذلك إقناعهم بأن تلك النتائج ذات صلة وصحيحة.
وفي كتاب اقتصاد الظل: مسح عالمي، يشرح المؤلفان بالتفصيل التعريف الدقيق لـ اقتصاد الظل ، قائلين إنه وبالنظر إلى أن مصطلح اقتصاد الظل يتألف من أنشطة اقتصادية عديدة، فإنه من الصعب تقديم تعريف رسمي لهذا النوع من الاقتصاد.
على سبيل المثال، يتعين توضيح الفرق بين السلع والخدمات المنتجة والمستهلكة داخل الأسرة، وكذا أشكال العمل غير الشرعي والعمالة غير الشرعية والاحتيال الاجتماعي، جنبا إلى جنب مع الأنشطة الاقتصادية الجنائية.
وقد أظهرت دراسات أجراها صندوق النقد الدولي بأن اقتصاد الظل تزداد معدلاته في الدول النامية والدول الشرقية بشكل خاص مثل جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا.
حيث إن نتائج المسح الإحصائي الذي أجري خلال الفترة من العام 1988 وحتى العام 2000 أظهرت أن اقتصاد الظل كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط كان في الدول النامية يتراوح ما بين 35 إلى 44%، وفي الدول الشرقية يتراوح ما بين 21 إلى 30%، وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يتراوح ما بين 14 إلى 16%.
ولقد أظهرت نتائج الدراسات التي تمت في الفترة 1998 إلى 2000 على دول متنوعة من العالم أن حجم الاقتصاد الخفي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي كان مرتفعاً في بعض الدول مثل نيجيريا، وتايلاند وبوليفيا، وروسيا، ويوغوسلافيا واليونان وإيطاليا والدول الاسكندنافية وشيلي.
وكان منخفضاً في دول أخرى مثل سويسرا وأوزبكستان النمسا والولايات المتحدة الأميركية، وسلوفاكيا، وجنوب أفريقيا، وهونج كونج وسنغافورة.
معدلات النمو
وقد أثبتت الدراسات أن معدلات نمو اقتصاد الظل تكون أعلى في الدول النامية عنها في الدول المتقدمة.
وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب أهمها:
1- الأنظمة الضريبية غير العادلة، والتي تدفع الأفراد والمنشآت إلى البحث عن الحيل والطرق التي تمكنهم من التهرب من الضرائب وتزوير الحسابات، أي أنها تقودهم إلى الاقتصاد الخفي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حيث إن النظام الضريبي يجب أن يتسم بمبادئ العدالة والشمول والمساواة والتوازن، وأن فقدان أي من هذه المبادئ قد يقود بالفعل إلى ظهور مثل هذا النوع من الاقتصاد.
2- الأنظمة السياسية غير العادلة، والتي بدورها تخلق أنظمةً اقتصاديةً واجتماعية غير عادلة أيضا.
3- ارتفاع نسبة مساهمة الأفراد في الضمان والتأمينات الاجتماعية ومعاشات التقاعد قد يدفع معظمهم إلى البحث عن وظائف أخرى خفية أو غير رسمية.
4- ظهور الفساد الإداري والمالي لا شك يؤدي إلى ازدياد وتفاقم مشكلات الاقتصاد بكافة أشكاله وبالتالي استبداله باقتصاد ظل جديد.
5- يؤدي وجود البطالة المقنعة كذلك إلى ظهور مثل هذا النوع من الاقتصاد، حيث إن وجود البطالة المقنعة يخلق لدى العاملين شعوراً بضعف طاقاتهم وإنتاجيتهم فيدفعهم ذلك إلى البحث عن فرص أخرى.
وأخيرا فإن اقتصاد الظل يعتبر مظهرا من مظاهر تخلف المجتمعات، لأن من أهم سلبياته التي لا بد من التركيز عليها هي عملية إهدار الموارد المادية والبشرية وسوء استغلالها.
مما يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة ولجوء الأفراد إلى ممارسة أنشطة اقتصادية خفية غير سوية، بسبب غياب الأنظمة الاقتصادية العادلة والسليمة التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة واحتياجات المجتمع الأساسية، لا المصالح الخاصة والربح السريع الناتج عن عمليات تجارية واقتصادية غير مشروعة ولا تتناسب مع احتياجات الأفراد والدول والمؤسسات.