الانتخابات الأمريكية والخليج تقاطعات السياسة والاقتصاد 3

لوسيل

إعداد: شوقي مهدي


تواصل لوسيل في الحلقة الثالثة من ملف (الطريق نحو البيت الأبيض)، محاولة فهم الانتخابات الأمريكية وتداعياتها على المنطقة ومعرفة ما إذا كان سكان المنطقة يتخوفون بالفعل من فوز ترامب وما هي أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الفائز الجديد.
وبانتهاء مساء اليوم يكون الشعب الأمريكي قد حدد عبر صناديق الاقتراع من سيفوز بمنصب رئاسة أقوى دولة في العالم، وبالمقابل تطوى صفحة مثيرة للجدل ومليئة بالأحداث في تاريخ الانتخابات الأمريكية، فهي المرة الأولى التي يأخذ فيها السباق نحو البيت الأبيض هذا الزخم والصدى على طول الكرة الأرضية وعرضها، في موسم انتخابي مليء بتصريحات وتراشقات المرشحين.
لوسيل حاولت مناقشة التحديات الكثيرة التي تواجه الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية بعد نتيجة الانتخابات الأمريكية، خاصة أن هذه الانتخابات جاءت مصحوبة بتخوف كبير من مواطني الشرق الأوسط خاصة بعد تصريحات المرشح الجمهوري دونالد ترامب المثيرة للجدل فيما يخص علاقة أمريكا بدول الشرق الأوسط، ومعروف أن دول الخليج تربطها مصالح استراتيجية مع أمريكا امتدت لعقود من الزمان.
لوسيل تطرح في هذا الجزء من ملف الانتخابات الأمريكية عدة محاور مثل قضايا المنطقة في الانتخابات، التخوف من فوز ترامب وكيف ينظر الناس لهذه الانتخابات، ومحاولة معرفة ما إذا كانت هذه الانتخابات ستؤثر على التعاون الاقتصادي بين أمريكا ودول المنطقة.
تساؤلات كثيرة وضعتها لوسيل على طاولة النقاش أمام الخبراء من مختلف الدول في محاولة منها لإيجاد ما يشبع فضول القارئ حول الفهم الصحيح للانتخابات الأمريكية.
صناعة النفط العالمي وسوق الطاقة هو محط اهتمام أي اقتصادات تعتمد على واردات الطاقة أو حتى استهلاكها، بالتالي تبقى مثل هكذا قضايا حاضرة في كل مرة يتحدث فيها الخبراء عن الاقتصاد، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو مدى تأثير ما يحدث في أمريكا اليوم من انتخابات على سوق الطاقة العالمي، خاصة أن النفط الصخري يعتبره الكثيرون أحد أهم الأسباب في انخفاض أسعار النفط عالمياً.
الدكتور محمود حداد أستاذ الاقتصاد بجامعة تينسي الأمريكية، يرى أن سوق الطاقة ليست له علاقة بحمى الانتخابات الأمريكية وإنما هو سوق يخضع لعاملي العرض والطلب وقدرة البعض على الإنتاج أو وضع سقف للإنتاج، بالتالي لا يتأثر هذا السوق بمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة.
ويرى الخبير الاقتصادي السعودي الدكتور محمد العيسى أن سوق النفط في الوقت الحالي في مرحلة انتعاش بسيط ومؤقتة، أما تأثير السوق فهو مرتبط في المقام الأول بمجموعة الدول المصدرة للبترول (الأوبك) والدول المنتجة من خارج المجموعة.
وهو سوق معقد استخدم في الفترة الماضية لأغراض سياسية بحتة أثرت بشكل سلبي على أسعاره.
وموضوع الانتخابات ومن ينتصر فيها هو جانب هامشي قد يكون تأثيره غير مذكور أمام العوامل الأخرى الأكثر أهمية مثل الوضع السياسي في منطقة الشرق الأوسط، واتفاق الدول المصدرة الكبيرة على تحديد كمية الإنتاج.
وهناك جانبان للتعاطي مع سوق النفط العالمي، إذا ما نظرنا إليها من ناحية السباق الرئاسي في أمريكا، وحسب الدكتور يوسف داؤود، رئيس قسم اقتصاديات التنمية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، فإن جانب الطلب يجعل نسبة كبيرة من المستهلكين يفضلون الطاقة من المصادر المتجددة وهذا ما يقلل الطلب على النفط وبالتالي تتأثر سعر البرميل وهذا في حد ذاته مستقل عمن سيربح الرئاسة إضافة لعوامل أخرى مثل تباطؤ النمو في اقتصاد الصين وغيرها، أما إذا نظرنا لناحية العرض فنجد أن النفط الصخري سيكون لاعبا اساسيا في السوق في حال وصول كل من هيلاري أو ترامب، فالدكتور داؤود يرى أن إنتاج النفط الصخري (وفي حال تنظيمه وعدم دعمه) من هيلاري كلينتون سيؤدي ذلك لتخفيض العرض وبالتالي ارتفاع سعر برميل النفط، أما إذا فاز ترامب فهو يريد أن يشجع الإنتاج المحلي من أجل الاستقلال في مجال الطاقة وهذا سيزيد السعر ويؤدي إلى هبوط الأسعار.
ويختلف الأستاذ عبد الرحمن القبيعي مع حداد والعيسى في أن السوق سوف يتأثر بمن يفوز، فحسب تصريحات ترامب أثناء الانتخابات تجاه الشرق الأوسط ونظراً إلى حساسية أسعار النفط تجاه التوترات السياسية في المنطقة، التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل يتخطى عتبته الحالية حول 50 دولاراً أمريكياً للبرميل لاختبار مستويات أكثر ارتفاعاً، فلا يمكن أن نتخيل الأسعار في حال فوزه، أما هلياري فلا أعتقد أن فوزها سيكون مؤثرا بالشكل الكبير حيث إن سياساتها غالبا لا تختلف عن سياسة أوباما في إدارة الشرق الأوسط من ناحية أسعار البترول على الرغم من أن التوترات والحروب وأعمال العنف في المنطقة العربية كان يجب أن تبقي أسعار النفط مرتفعة، فواحد من تلك الأحداث كان سيسبب قفزة في أسعار النفط.
ما يلفت النظر لبعض الدراسات التي أجريت مؤخراً حول مدى اهتمام مواطني الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تجاه سباق الرئاسة الأمريكي، وإلى أي مدى يهتم الناس بنتيجة هذه الانتخابات، أظهر آخر استطلاع للرأي شمل نحو 17 دولة عربية عدم اكتراث هؤلاء المواطنين لمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية، حيث انقسم المستطلعون حول قضايا المنطقة مثل الحرب في سوريا والاتفاق النووي الإيراني.
وفي الاستطلاع الذي نفذته صحيفة (عرب نيوز) السعودية بالاشتراك مع شركة (يوغوف) الدولية للأبحاث ببريطانيا أكتوبر الماضي، عبر غالبية المواطنين العرب ممن شملهم استطلاع للرأي عن رفضهم التصويت لأي من المرشحين الأمريكيين إلى الانتخابات الرئاسية في حال أتيح لهم الاقتراع في الولايات المتحدة، ولو أن الديمقراطية هيلاري كلينتون حظيت بتأييد أكبر بكثير من الجمهوري دونالد ترامب، حيث قال 44% من الذين طرح عليهم السؤال إنهم يصوتون لكلينتون بينما اختار 9% فقط منهم التصويت لصالح ترامب.
قوة الولايات المتحدة الاقتصادية جعلت منها مؤثراً كبيراً في سوق الأسهم الدولي، بالتالي لا يمكن الحديث عن الانتخابات بعيداً عن علاقاتها بأسواق الأسهم.
وفي هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي بيتر جارنري، رئيس إستراتيجيات الأسهم لدى (ساكسو بنك): إذا نظرنا إلى مجموعة من النقاط المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية سنجد بعض النواحي التي يمكننا الحديث عنها، ويعدد جارنري هذه النقاط بقوله بأنه على الرغم من أن استطلاعات الرأي ترجح كفة هيلاري في هذا السباق، ولكن إذا نظرنا إلى التراجع الكبير في أسهم الرعاية الصحية تتضح لنا سلبية الحزب الديمقراطي في هذا، فهم يودون تخفيض الأسعار بالرغم من صعوبة هذا الهدف.
ويمضي جارنري قائلاً: استناداً لمؤشر ستاندر آند بورز فإن فوز ترامب سيشكل مفاجأة كبيرة نظراً لابتعاد هذا الاحتمال عن الإجماع الذي نراه في الوقت الراهن، ويعتقد بأن فوز ترامب سيؤثر على المدى القريب بشكل سلبي جداً على سوق الأسهم.
كما أن نجاحه في إجراء إصلاحات ضريبية كبيرة على الشركات سيشكل دفعة قوية للأسهم .
بينما فوز كلينتون سيؤدي لاستمرار الوضع الراهن، وكما يقول جارنري: (نحن نعلم سياستها) ولا نعتقد أنها ستؤثر بشكل جوهري في سوق الأسهم على المدى المنظور.
ونجاح ترامب سيؤثر ايضاً سلباً على أسعار البيزو المكسيكية، فضلاً عن رغبته في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وسيمتد التأثير السلبي غالباً إلى الثقة بسوق الأسهم المكسيكية.
السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تحكمها العديد من المصالح، لكنها قد تختلف بحسب الإدارة، ديمقراطية كانت أو جمهورية، لكن الحقيقة هو أن صناعة السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على المؤسسات وليس الأفراد.
ويرى اللواء الركن دكتور أنور ماجد عشقي الخبير السياسي والعسكري، أن الرئيس وطاقمه في الإدارة سيؤثرون بشكل كبير في السياسة من حيث التدخل أو عدمه، وكذلك من حيث آليات هذا التدخل.
ويطرح عشقي سؤالاً حول، هل تفضل الإدارة القوة الناعمة كما يفعل أوباما أم الصلبة كما فعل بوش؟، ودرجة العقوبات المفروضة والمناورة مع الدول الصديقة أو العدوة كالمساعدات والحوار والدبلوماسيين والاحتواء، فمثلا الديمقراطيون يتعاملون مع إيران على مبدأ الاحتواء المزدوج أما الجمهوريون فيتعاملون معها بمبدأ محور الشر. المناظرة الأولى في سباق الرئاسة نحو الجائزة الكبرى أو (الكابتال هول)، حسب الدكتور عشقي، يرى أنها كشفت عن خلاف حاد بين المرشحين هيلاري وترامب بشأن الشرق الأوسط، وكان التركيز فيها على الدول الإسلامية والاتفاق النووي الإيراني، وغزو العراق والعلاقة مع المملكة العربية السعودية.
فترامب دعا إلى إعادة النظر في التحالفات مع دول العالم بما فيها دول الشرق الأوسط، وطالب بأن تدفع الدول الحليفة للولايات المتحدة مقابل حمايتها، وضرب ترامب مثلا بالسعودية واليابان وقال: أريد مساعدة حلفائنا، إننا نخسر المليارات من الدولارات. وأضاف: (لا يمكننا أن نكون شرا في العالم ولا يمكننا أن نحمي دولا حول العالم لا تدفع لنا ما نحتاج إليه).

الخليج يفضل كلينتون
انتقدت هيلاري كلينتون بشدة دعوة ترامب وتعهدت بالتزام أمريكا بمعاهدات الدفاع المشترك مع الحلفاء، بينما اتهم ترامب إدارة أوباما وكلينتون بظهور تنظيم داعش، وقال بأن هيلاري لو فازت فإنها لن تقضي على التنظيم، وأن الديمقراطيين هم السبب في ظهور داعش، لأنهم سحبوا قواتهم من العراق وأن هيلاري كلينتون كانت في الحكم عندما كان التنظيم طفلاً صغيراً فلم توقفه، وكان على إدارة أوباما أن تمنع تشكيل التنظيم، وردت هيلاري بأن منافسها ليس لديه خطة بشأن مواجهة التنظيم.
ويلخص الخبير العسكري السعودي الوضع بأن هيلاري لن تحدث تغييراً كثيراً في الشرق الأوسط، أما ترامب فهو خارج اللعبة السياسية، والملاحظ أن غالبية دول الخليج لا ترغب في ترامب، وهذا بالضرورة سوف يجعل هيلاري تقف مع دول الخليج في قضاياها في المنطقة.
ومن المتوقع إغلاق معظم الملفات الساخنة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، وذلك عندما يتم إسقاط النظام في إيران الذي أخذ يتهاوى، ففي العراق أصبحت أمريكا تؤثر على القرار دون إيران، وقد يحقق التوازن الطائفي، وفي سوريا بدأت إيران تترنح فمئات النعوش عادت إلى إيران وإلى لبنان.
كثيرون حاولوا رسم الخريطة السياسية للمنطقة بعد الانتخابات الأمريكية في حال فوز أي من المرشحين، بالرغم من أن البعض يرى بأن ترامب قد يحاول تغيير الخارطة السياسية بسياساته غير الواضحة تجاه المنطقة.
إلا أن اللواء الركن دكتور أنور ماجد عشقي الخبير السياسي والعسكري، قال في إفادته لـ لوسيل : القاعدة تقول - لا يمكن لأحد أن يفرض عليك واقعاً جديداً إلا إذا سمحت بذلك ، والانتخابات الأمريكية سوف تسفرعن فوز كلينتون أو ترامب، ويرى عشقي أن هيلارى كلينتون هي الأوفر حظا وعلى كل لا يستطيع أي منهما تغيير مخططات أمريكا الاستراتيجية، ولكن يستطيع أن يحدث تغييراً في السلوك السياسي.
وفيما يخص الاهتمام بالشرق الأوسط حسب رأي اللواء عشقي الذي يرأس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية بمدينة جدة السعودية: إذا فازت كلينتون فإنها سوف تعيد أمريكا للاهتمام بالشرق الأوسط، وسوف تعتمد على حلفاء الولايات المتحدة مثل دول مجلس التعاون، ومصر، وتركيا، لكنها لن تغامر بحرب في المنطقة سوى تقديم الدعم لحلفائها، كما أنها سوف تزيد من توريط روسيا وإيران في سوريا، وسيكون لها وجود في سوريا أكبر مما هو في عهد أوباما.
وكلينتون كما هو معروف ستكون أول رئيسة للولايات المتحدة وهذا يتطلب أن تبذل جهدها إذا فازت بأن تحدث شيئاً جديداً لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لن تخرج من عباءة الديمقراطيين وبشكل خاص كلينتون وأوباما، لكنها تتفوق عليهما في الخبرة الدولية. إذن كيف يكون الحال في حال فاز ترامب؟ في هذا الإطار يرى عشقي، بأن ترامب القادم من الجمهوريين وبالرغم من اختلاف البعض معه لكنه سيكون أكثر مغامرة من كلينتون، وسيتعامل مع أحداث الشرق الأوسط بعقلية التاجر، فقد يشعل حربا لتحريك الاقتصاد الأمريكي، وهذه الحرب قد تكون قصفا للمفاعلات الإيرانية ومحاولة إسقاط نظام الملالي مما يتطلب التعاون مع إسرائيل، ومع ذلك فإن شأن ترامب هو شأن كل المتطرفين، إذ يصعب التنبؤ بما سيفعلونه، لكن لن يفرط في دول الخليج التي سوف تعزز من تجارته، لهذا يقول بأنه سيطلب من دول الخليج واليابان أمولا مقابل الحماية.
ويتابع عشقي: أذكر أنه حينما كنت مديراً لنادي الضباط، وجاء وزير الدفاع الأمريكي براون وألقى كلمته التي قال فيها: على المملكة أن تعتمد في حمايتها على الولايات المتحدة، فرد الأمير سلطان بن عبد العزيز قائلا: إن المملكة لا تعتمد في حمايتها وأمنها إلا على الله وحده ثم سواعد أبنائها .