خطبة الجمعة بجامعي الإمام والشيوخ تحذر من الإسراف

لوسيل

الدوحة - لوسيل

بيّن فضيلة الشيخ محمد محمود المحمود أن الإسراف صفة ذميمة وخصلة مشينة ذمها الله تبارك وتعالى في كتابه وبيّن سوءها وسوء من تخلق بها، وأخبرنا الله أن الإسراف سبب موجب لحرمان العبد من الهداية، وبيّن أن الإسراف هو مجاوزة حد الاعتدال في كل شيء ليس في المال وليس في الطعام فقط، بل هو في كل شيء، كل ما تجاوزت فيه الحد الطبيعي، فقد دخلت في دائرة الإسراف. وقال الشيخ محمد المحمود في خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبارك وسلم تسليما كثيرا، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى يقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .

وأضاف الخطيب: فمنذ أيام قليلة عُقد مؤتمر عظيم تداعى له رؤساء العالم يتباحثون فيه أمرا جليلا عظيما ألا وهو تغير المناخ وأثر هذا التغير على الأرض، أثره على هذه الأرض أو ما يسمى بالاحتباس الحراري وأثره وما الذي سينتج عنه، بل إن بعض أهل الاختصاص حذر المجتمعين بأن هذا المؤتمر قد يُعد مؤتمر اللحظة الأخيرة، لما قد يترتب على هذا التأخر في إيجاد الوسائل للمحافظة على الكون من الخطر الداهم، هكذا سمعنا ما تناقلته وسائل الإعلام، والسبب في ذلك سبب هذا الهول والخطر هو ما يحدث من كثير من المصنعين وغيرهم من سوء استغلال للموارد والثروات استغلالا سيئا أدى إلى وجود هذا الخطر العظيم، وصدق الله تبارك وتعالى إذ يقول في كتابه الكريم: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ، ومن أعظم مظاهر هذا الاستغلال السيء هو الإسراف في استغلال هذه الموارد من أجل كسب المال، أسرفوا فيما أودعه الله في الأرض، وأدى هذا الإسراف وهذا الجشع إلى وجود هذا الخطر الداهم.

نعم عظيمة

وذكر الخطيب أن نعم الله تبارك وتعالى علينا عظيمة، نعم الله لا تعد ولا تحصى ومن النعم العظيمة التي أنعم الله تبارك وتعالى بها علينا هي نعمة الماء، هذه النعمة التي بها قوام الحياة، لا حياة دون ماء، هذه النعمة العظيمة التي جعلها الله وجعل بها حياة كل المخلوقات وجلعنا من الماء كل شيء حي ، لو أدرك العبد هذه النعمة العظيمة لشكر الله تبارك وتعالى عليها، ولأحسن التصرف فيها ولم يسرف فيها ولم يهدر هذه النعمة العظيمة فإن النبي عليه الصلاة والسلام، نهى عن إهدار الماء والإسراف فيه، بل إنه نهانا أن نسرف في الماء في العبادة، فنهى على أن نزيد في الوضوء على أن نغسل أعضاءنا أكثر من ثلاث مرات، وكان النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه، صلوات الله وسلامه عليه، يعرف قيمة هذه النعمة وقيمتها للفرد والمجتمع كان إذا توضأ، توضأ بمُدٍ، والمد هو اجتماع الكفين، إذا جمعت كفيك فما اجتمع فيهما من ماء هو مدُ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يغتسل بصاع، والصاع هو أربعة أمداد، يتوضأ بمد، ويغسل اغتسالا كاملا بصاع واحد، لأنه يعلم قيمة هذه النعمة، لا كما يفعل كثير من الناس لأجل وضوء قد يهدر مئات الأمداد لأجل غسل قد يكون هذا الغسل لأجل التبرد فقط قد يهدر فيه مئات الأمداد مخالفة لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، مخالفة لأمر الله تبارك وتعالى، هذه النعمة العظيمة التي تقوم الحروب من أجلها التي يُقتل الناس من أجلها، ينبغي ألا يغيب عليك وأنت تستخدمها، لو كنت على نهر جارٍ ينبغي عليك ألا تسرف في الماء، أن تطيع الله وتتعبده بألا تسرف في الماء، هذه النعمة العظيمة التي لو قطعت عن بلاد لأصبح أهلها جياعا يسألون الناس، أمر الماء عظيم، أمره خطير، ينبغي ألا نسرف في استخدامه، ولو في عبادة ولو في وضوء ولو في غسل كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام.

الإسلام والإسراف

من جانبه أكد فضيلة الشيخ د. محمد المريخي أن الإسراف والتبذير عنوان كبير ومجال عريض وفضاء فسيح، وكله مذموم ممنوع محرم، وأن المسرف مبعد عن رحاب ربه عز وجل، لا يحبه الله ولا يرضاه، وبيّن أن الإسلام يوبخ الإسراف وأهله، ويطردهم ويبعدهم، وأن الإسراف في الوقت والعمر لا مثيل له في السوء والبلاء لأن وقت الإنسان هو عمره الذي كتبه الله له. وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الشيوخ: فيا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، اتقوا الله ربكم خلقكم ورزقكم وأمنكم من الخوف وأطعمكم من الجوع.

أصحاب النار

وبين الخطيب أن الإسراف والتبذير عنوان كبير ومجال عريض وفضاء فسيح، وكله مذموم ممنوع محرم، والمسرف مبعد عن رحاب ربه عز وجل، لا يحبه الله ولا يرضاه، يقول الله تعالى: إنه لا يحب المسرفين ، ومن شدة بغض الله تعالى للمسرف المبذر هدده وتوعده بالنار فقال الله تعالى: وأن المسرفين هم أصحاب النار ، ومن كبر وعظم جرم الإسراف نسبه الله تعالى لكبار المجرمين في الأرض، نسبه إلى أصل الفواحش إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ، ونسبه سبحانه وتعالى لمن كذب الرسل ورد دعوة التوحيد قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ، ونسبه إلى الذي يفسدون في الأرض بمعاصيهم وإعراضهم عن دعوة الخير ونشر الرذيلة والسوء والإعوجاج ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، كما نسب الإسراف إلى من كفر وأعرض عن دينه وجاءه يوم القيامة فوبخه وقرعه وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .

أعمال صالحة

وأوضح الشيخ المريخي أن الإسراف في الوقت يكون بتبذيره وتضييعه وبعثرته وصرفه في المحرمات والشهوات والهادمات من الأعمال والأقوال والتصرفات، وتفريغه من الأعمال الصالحة أو إهمالها وتهميشها، وهذا الإسراف في الوقت من أشد الإسراف خطورة على الإنسان، ومن أكبر الأدلة على إطباق الغفلة والران على القلب، ومن أدلة عمى البصيرة فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، وأشد الناس إسرافا في الوقت أولئك الذين اجتالتهم الشياطين وزين لهم سوء عملهم وعارضوا الفطرة ونسوا المهمة التي من أجلها خلقوا، فانصرفوا للشهوات والملذات وقضوا الأوقات في غير طاعة الله، وفيما يضرهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم.

ولفت الخطيب إلى أن خطر الإسراف في الوقت تتعدى خطورته الخطورة في المال وغيره لأن الوقت عمر، وإذا فات الوقت ومضى العمر فلن يرجع ولن يعوض، ولن يجد المرء من يعطيه وقتاً أو عمرا ثانياً.

أهمية الوقت

وشدد الشيخ محمد المريخي على أن الوقت أغلى وأغلى من أن يجعل في اللهو والطرب واللعب لأن الإنسان مسؤول يوم القيامة عن عمره، يقول رسول الله لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه رواه الترمذي وهو صحيح.

ونوه الخطيب بأن الإنسان سوف يجازى على إحسانه ويعاقب على إساءته، لهذا كانت البلوى كبيرة والمصيبة عظمى حين يشغل العمر أو الوقت فيما يغضب الله ويسخطه كما تفعل الكثرة الكثيرة أهل هذا الزمان.

وقال: أيها المسلمون.. لقد أقسم الله تعالى بالوقت تعظيما له ولفتا لنظر الناس ليعتنوا بما أعطاهم من العمر ويغتنمون أعمارهم وأوقاتهم بعمل ما ينجيهم بين يديه من العمل الصالح الخالص لله عز وجل، تحذيرا من تضييع العمر في المسخطات المغضبات له عز وجل، فقال تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، فقد أخبر الله تعالى أن كل بني الإنسان في خسارة يوم القيامة، خسارة الآخرة لا تعوض، كما أن الفوز في الآخرة يعد فوزا عظيما، لكن هذه الخسارة الأخروية نجا فيها قوم بإذن الله حين أتوا ربهم بإذنه بأربعة أسباب: الإيمان، العمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

أفضال الصلاة

وبيّن الخطيب بأنه من حكمة الله البالغة أنه قسم الصلوات على اليوم والليلة بحيث يشتغل العبد بطاعته عز وجل، أي كل وقته وحينه، وإن توزيع فرائض الإسلام على الأوقات يؤكد ضرورة حفظ الدقائق والساعات مع حركة الكون، ودوران الفلك، ولقد نقل بعض السلف أنه كان يسمي الصلوات الخمس ميزان اليوم، ويوم الجمعة ميزان الأسبوع، وشهر رمضان ميزان السنة أو العام، والحج ميزان العمر، كل ذلك محاسبة دقيقة وتنبيه حصيف ليسلم له يومه وأسبوعه وعامه وعمره، ولذلك قالوا: إن أعظم المقت يعني الجرم هو إضاعة الوقت، وقالوا: الوقت ليس من ذهب بل هو أغلى من الذهب، وأغلى من كل جوهر نفيس، ويستحق الوقت أو العمر أن يفدى بكل غالٍ ونفيس.

إن من المؤسف المهلك أن ترى من لا يبالي بإضاعة أوقاتهم بل ويشغلونه في محرمات مهلكات مغضبات مسخطات، حتى قال قائل المسرفين: تعالوا نضيع الوقت. من شدة الغفلة، يموت الميت ويسارع الناس لتشييعه ودفنه ثم يعود البعض لمواصلة الغفلة وتضييع الأعمار، فلنتّقِ الله.