تشير خلاصة الخطاب السنوي لوارن بافت، أفضل مستثمر على قيد الحياة في تاريخ أسواق المال العالمية، إلى أن سر نجاحه هو الأداء المعتدل.
يدل على ذلك أن القيمة الدفترية لشركته بيركشاير هاثاواي ارتفعت في 2015 بواقع 6.4% فقط، وهو ما لم يكن انحرافا عن المعدل الطبيعي لنمو شركاته.
فكانت زيادة القيمة المالية لمجموعة أعمال وارن بافت على مدار 15 سنة تقترب من الزيادة التي حققتها العام الماضي.
لكن أغلب المواقع الإلكترونية تنشر بيانات عن الأرباح والقيمة المالية للشركات تتضمن أرقاما تثير الجنون، من بينها ما يشير إلى زيادة في القيمة بنسبة تفوق 100%، أو حتى 1000%، على خلاف الواقع، وهو ما يجعل البعض يتساءل عن الأسباب التي جعلت من بافت أنجح المستثمرين في أسواق المال على الإطلاق رغم تضاؤل نمو شركاته أمام تلك المبالغات.
فهم يرون أن هناك مستثمرين يحققون أرباحا تتجاوز 1000% في حين لا تتجاوز الزيادة في قيمة مؤسسة بافت مستوى 7.00%.
والإجابة على تساؤل هؤلاء تتمثل في أن القائمين على التسويق لأغلب الشركات على المواقع الإلكترونية وفي وسائل الإعلام يتبنون نظرية الكذب الأكبر ، وهي النظرية التي يراها الجمهور المتابع لها منطقية تماما، ما يدفعه إلى الاستمرار في متابعة ما يكتبونه ويقولونه عبر تلك الوسائط.
فجماهير الإنترنت والإعلام يمتلكون قناعة تامة بأنه لا توجد معلومة لا تستند إلى معنى لا دخان بدون نار ، وهو ما يجعلهم مقتنعين بأن الأرقام المبالغ فيها، التي تنشر عن ثروات بافت وغيره من الأثرياء حقيقية.
فالجمهور يرى أنه حتى لو بالغ الموقع الإلكتروني أو الصحيفة في الرقم بإضافة صفر، أو صفرين، أو حتى ثلاثة أصفار، يظل الرقم المشار إليه بعد حذف تلك الأصفار مدهشا.
وقد نفاجأ أيضا بأرقام مبالغ فيها من مصادر أخرى بخلاف حملات التسويق، إذ يلجأ بعض الخبراء في مجال الاستثمار إلى الادعاء بتحقيق نتائج مالية تعكس نجاحا منقطع النظير، لكن دون أن تستند في ذلك إلى ما يثبت أن تلك الإنجازات حقيقية.
فالكذب هنا جزء أساسي من المشكلة، فحتى عندما ينشر خبراء الاستثمار تقارير العائدات، يلجأ أغلبهم إلى اختيار فترات كان فيها العائد عند مستويات مرتفعة للغاية.
وهنا لابد من أن نتذكر دائما أن هناك قواعد تحكم السوق، فالعائدات الهائلة حتما سوف تنخفض وترتطم بالقاع، وفقا لآليات السوق.
وهو ما يسميه الاقتصاديون الارتداد الذي يتضمن ضرورة أن يعكس مؤشر الأرباح أو العائدات اتجاهه بعد الارتفاع الحاد ليسلك الاتجاه الهابط مرة أخرى حتى يصل إلى مستويات مبالغ فيها من الهبوط، عندها يمكنه الارتداد لأعلى.
أما الأرقام الحقيقية التي تستند إلى إحصاءات ومصادر موثوقة فتشير إلى أن القيمة الدفترية لمجموعة بيركشاير هاثاواي المملوكة لبافت ارتفعت بواقع 20% منذ توليه إدارتها في الستينيات من القرن العشرين وحتى الآن.
والحقيقة التي يشير إليها هذا الرقم هو أن العامل الأساسي لنجاح الاستثمار هو الأداء المعتدل المتوازن الذي يحقق أرباحا معقولة، لكن مستمرة