أخذت التعاملات المالية الإلكترونية في السنوات الأخيرة تستأثر بجانب كبير من الاهتمام في حياة الناس وذلك خلال تداولاتهم اليومية سواء من حيث عمليات الشراء أو البيع أو غيرهما من المعاملات لغايات تحقيق الربح ولو على المدى البعيد.
وساهمت الثورة التقنية الحديثة في مجال الاتصال الرقمي في اختزال العديد من المصاعب المالية، بل إن التطور التقني أصبح اليوم يستهدف البحث عن حلول ووسائل مبتكرة تحفز الناس على التعامل والتداول المالي بكبسة زر سواء من لوحة مفاتيح الحاسوب أو حتى الأجهزة الرقمية المحمولة على غرار الهاتف الجوال آو الآيباد، بعد أن نجحت تلك الوسائل في وقت سابق في جعل العالم قرية صغيرة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

ارتفاع القيمة
وكانت العملات الإلكترونية نتيجة حتمية لتطور التقنيات والأساليب التكنولوجية في المجال المالي، حيث بدأ هذا النوع من العملات في الانتشار بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008 والتي عصفت بأعتى الاقتصاديات في العالم وهما الاقتصاد الأمريكي ومن خلفه الاقتصاد الأوروبي، ولعل أبرز تلك العملات التي أخذت في الانتشار بشكل واسع وخاصة خلال الأشهر القليلة الماضية من العام الجاري هي عملة البيتكوين التي أصبحت تتداول بشكل واسع النطاق مما انعكس على قيمتها التي تخطت خلال هذا الأسبوع سقف 4339.79 دولار لكل بيتكوين.
ويتوقع خبراء أن تصل إلى مستوى 10 آلاف دولار، بعد أن كانت منذ سنوات عند مستوى 10 دولارات لتحقق نسبة نمو من العام 2009 بنحو 43.2 ألف في المائة، في حين أن قيمتها قد ارتفعت خلال الشهر الجاري بنحو 45%، لكن في المقابل يحذر الخبراء المجال المالي بدءا من المختصين في الأسواق المالية، وصولا إلى المحققين في الجرائم المالية الإلكترونية من تداول هذه العملات والعمل بها، خاصة أنهم يعتبرونها غير مأمونة الجانب من حيث القيمة رغم أنها الآن أقوى عملة في العالم، حيث يمكن لقيمتها أن تنحدر في أي وقت، كما ينبه المحققون الماليون في الجرائم المالية العابرة للقارات من خطر تداول هذه العملة، حيث تستغلها التنظيمات الإجرامية والإرهابية في عمليات غسل أموال وتمويل الإرهاب والجرائم العابرة للقارات من تجارة للمخدرات والاتجار بالبشر وتجارة السلاح وغيرها من العمليات الإجرامية العابرة للحدود.
لمحة تاريخية
من البداية ظهرت عملة البيتكوين في العام 2008 قبل أن تطرح للتداول في العام 2009، وهي أساسا نظام نقدي إلكتروني يعتمد على مبدأ الند بالند في النظام المالي، بمعنى أوضح دون المرور من خلال وسيط مالي كالبنوك أو شركات الصرافة حيث يقوم الفرد على سبيل المثال بدفع ثمن مقتنيات ما إلكترونيا لفائدة المستفيد مباشرة دون المرور بوسيط بنكي أو مصرفي.
ويطلق عليها الخبراء والمختصون كذلك لقب العملة المعماة، أي أنها تخضع لأعلى معايير التشفير الرقمي الذي يصعب تتبعه من قبل الجهات المالية الرقابية أو الأمنية المختصة، حيث لا يمكن تحديد مصدر الأموال المرسلة وصاحبها أو المستفيد منها وحتى خط سير المعاملة المالية نظرا لمرورها بعدة خادمات وحواسيب تعمل على تشفير بيانات المرسل والمتلقي إضافة إلى تحويل تلك البيانات إلى أرقام مجهولة المصدر.
يشار إلى أنه توجد في العالم نحو 60 عملة إلكترونية مشفرة منها 6 عملات رئيسية تتقدمها البيتكوين التي يمكن استنساخها وتطويرها وإصدار عملة جديدة مشتقة منها، تكون أكثر تشفيرا من الأولى وبالتالي فإن هوية الشخص تبقى مجهولة باستثناء رقم عشوائي يرتبط بمحفظة المستخدم لهذه العملة.
ولتلخيص الموضوع فإن البيتكوين هي برنامج إلكتروني نقدي غير مركزي يقوم بتوفير محفظة بيتكوين شخصية ويسمح للمستخدم بإرسال واستقبال عملات مباشرة في البيع والشراء الإلكتروني، من دون وسطاء ولا مصاريف تحويل، كل ما يحدث هو أن ينتقل رقم سري من محفظتك إلى محفظة الشخص الآخر مباشرةً فيصير ملكه، ويعتبر الكود الإلكتروني المشفر هو صك ملكية البيتكوين، ولا يستطيع أحد الحجز عليها لأنها لا تخضع لسيطرة أحد ولا يمكن تتبعها، فهي تتميز بالسرية والخصوصية والعالمية من دون تدخُّل الحكومات والبنوك.
آلية عملها
يتم تحصيل عملات البيتكوين من أماكن عديدة لمحال الصرافة على شبكة الإنترنت أو من خلال الأكشاك التي تتمركز في بعض الدول التي تسمح بتداول هذا النوع من العملات، وتسمح تلك الصرافات بشراء وتبديل عملات البيتكوين نحو دولارت وعملة اليورو، ويحتفظ المستخدم بنقود البيتكوين الخاصة به على محفظته الإلكترونية من خلال جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الجوال ويتم التداول وإرسالها بطرق سهلة، ويحرس عمليات التداول والتحويل ما يسمى بالمنقبين حيث يقومون بعمليات التحقق من التعاملات ومن ثم تسجيلها على إحدى الصفحات.
ويستطيع أي شخص أن يصبح من المنقبين على البيتكوين من خلال جهاز كمبيوتر واتصال بالإنترنت وبرمجية التنقيب، فيستطيع المستخدم الحصول على قطع بيتكوين مقابل استخدام القدرة الحسابية التي يمتلكها جهاز الكمبيوتر في توليد قطع جديدة من البيتكوين، عبر حل معادلات رياضية ذات خوارزمية معقدة خاصة أنها تتطلب جهدا شاقا وكبيرا في ظل التوازن الكبير داخل هذا النظام، فهناك حد معين يمكن إنتاجه من البيتكوينات هو 21 مليون بيتكوين، وقد يلجأ البعض الى أجهزة عملاقة أكبر من الأجهزة العادية، وتنشط هذه العمليات خاصة في دول شرق آسيا، حيث تستأجر عن بعد وحدات تعدين ومعالجة مخاطر البيتكوين رغم المزايا التي تتوفر على عملة البيتكوين خاصة أنها لا تخضع للرقابة ولتحصيل الرسوم على التحويلات وعمليات التداول إضافة إلى تمتعها بالحماية التامة وسرية البيانات إلا أن التعامل بالبيتكوين يتميز بالمخاطرة العالية ومنها تغير القيمة بشكل دوري وحاد قد ينزل بها إلى قيم متدنية جدا ولا تتمتع بالاستقرار مقارنة بالعملات الأخرى، خاصة أنه لا يتم إصدارها من قِبل أي بنك مركزي، ولا تخضع لرقابة أو إشراف من أي جهة، ومصممها مجهول الهوية.
أما الأخطر من ذلك هو ما تم التوصل إليه بأن عملة البيتكوين استخدمت في الهجومين الإلكترونيين العالميين، بفيروس الفدية الأول ونا كراي والفدية الثاني بيتيا عندما طلب القراصنة المهاجمين لمئات آلاف الكمبيوترات بالعالم، دفع فدية بعملة بيتكوين من أجل إرجاع الملفات المقرصنة لأصحابها، وإعادة فتح الأجهزة التي أصابها الفيروس الذي أصاب نحو 100 دولة ودفعت مبالغ كثيرة منها بالعملة الإلكترونية مقابل فك التشفير.
وسائل غير مشروعة
إلى ذلك، فقد قال المحقق في وحدة التحريات المعلوماتية بالأمن الفرنسي والممثل للسلطات الفرنسية ضمن اليروبول باتريس روفيلاك لـ لوسيل إنه بقدر ما تتوفر عليه العملات الافتراضية من مزيا خلال تداولها حيث توفر سهولة التعامل على شبكة الإنترنت والتجارة الإلكترونية وجذب الاستثمارات إلا أنها تتميز بمخاطر مرتفعة، أولها أنه يصعب تعقبها بشكل مباشر، حيث يواجه المحققون حول العالم تعقب حركة تلك الأموال التي تكون بعيدة عن أعين السلطات المالية والأمنية، وبالتالي تستخدمها التنظيمات الإجرامية في عمليات، وتابع مضيفا في حديثه لـ لوسيل أنه يمكن تتبع التعامل بالعملات الافتراضية ومراقبتها على صعيد الدول التي تعترف بها، إلا أنها لم تزل تشكل مكانا خصبا بالثغرات لتنفيذ بعض الألاعيب وسحب العملة الصعبة، أو سحب الدولار من البنوك المركزية داخل الدول التي لا تتعامل بها، مع الإشارة الى أن البيتكوين تعد الأكثر استخداما للجرائم وتحويل الأموال بطرق غير مشروعة.
وأعرب روفيلاك عن القلق لدى الدول من انتشار استخدام هذه العملات التي قد تشكل منفذا لتحويل الأموال للإرهابيين، أو تسهيل عمليات غسل الأموال ونقلها بين الدول تحت ذريعة الاستثمار بمثل هذا النوع من الأدوات التي لم تلق بعد رواجاً عاماً بعد أو قبولا رسمياً لدى الجهات الرقابية، مشيرا في حديثه إلى أنه إلى حد اللحظة لا يوجد قانون ينظم عمليات التداول أو التعامل بهذه العملات أو آليات لتتبع خيط سيرها، مشددا على أهمية تكاتف الجهود والأجهزة المختصة لمتابعة ووضع آليات لهذا النوع من العملات، خاصة أن بعض الدول تعترف بالبيتكوين كعملة في حين أن دولا أخرى لا تعترف بها.
دول تحظر التداول وأخرى تسمح به
إلى ذلك، تحظر دولة قطر التداول والتعامل بالعملات الافتراضية، وكانت دولة قطر نظمت مطلع العام الجاري المؤتمر الدولي لمكافحة غسل الأموال والعملات الرقمية الافتراضية حيث أكد سعادة الشيخ فهد بن فيصل آل ثاني نائب محافظ مصرف قطر المركزي ورئيس اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب خلال كلمته ضمن المؤتمر أن بروز تكنولوجيا العملة الافتراضية طرح مخاطر جدية على سياسات الأمن الوطني، داعيا إلى ضرورة عدم التراخي بشأن تعزيز القدرات لمكافحة غسل الأموال والعملات الافتراضية الرقمية في المنطقة رغم التحديات التي تبدو كبيرة، معربًا عن ثقته في مواصلة الجهود للوصول إلى هذا التوافق المشترك في القدرات الفنية لهذه الدول.
وأوضح أن بروز تكنولوجيا العملة الافتراضية طرح مخاطر جدية على سياسات الأمن الوطني، وغدت موضع جدل كبير في الآونة الأخيرة.
وتم التركيز بنوع خاص على ميزة الغموض والحجب والإخفاء للعملات الافتراضية، بما يحفز إمكانية استخدامها من قبل عصابات غسل الأموال أو المجموعات الإرهابية، بطريقة تصعب مواجهتها بالجهود المتعارف عليها، مضيفا أن ذلك يقتضي اتخاذ الإجراءات المناسبة للحد من أخطارها المتمثلة في عدم وجود الرقابة عليها، وإمكانية استغلالها في أنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وقال إن مخاطر هذه الظاهرة تحتم وجود حوار يعمل على توفير تحليل متعمق للقضايا التكنولوجية المرتبطة بالعملات الافتراضية في مجال مكافحة الجريمة، وأضاف: من منظور اقتصادي، قد يواجه التشجيع على اعتماد العملات الافتراضية مقابل اعتماد العملات التقليدية تحديات مهمة في قبول المجتمع لها، لكونها عملة جديدة غير ملموسة تفتقر إلى الخلفية التاريخية، خاصة حيث يسود الاقتصاد النقدي السائل.
وتعارض بعض الدول التعامل بهذه العملات في حين تجرمها دول أخرى، فعلى سبيل المثال تسمع ألمانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية بتداولها وتحصل عليها رسوم في حين تعارض فرنسا إلى حد اللحظة التعامل والتداول بالعملات الافتراضية كما تجرم لبنان التعامل بهذه العملات، وكانت مصر أعلنت أنها ستلاحق أشخاصا قاموا بإنشاء بورصة لتداول البيتكوين بعد أن طالبوا بالسماح بتداولها.
وفي هذا الإطار قال عمرو السيد مدير الفروع بشركة الجزيرة للصرافة لـ لوسيل إن قطر حظرت التعامل بتلك العملات نظرا للمخاطر التي ترافق التعامل بها، حيث تكثر الخسائر للمتعاملين بها كما أنها لا تكتسب ثقة عالية.
أما الخبير في الأسواق المالية أحمد ماهر فقد قال لـ لوسيل إن حظر دولة قطر التعامل بعملة بيتكوين يأتي بسبب الحرص على سلامة ومتانة الاقتصاد وأموال المواطنين والمقيمين، خاصة أن هذه العملات لها مساوئ مختلفة وانهيارات كبيرة مثل ما حصل في اليابان، مشددا على أن التعامل مع هذه العملة يخالف أحكام الشريعة الإسلامية حيث يتم التعامل مع شيء غير ملموس كالذهب أو العملات الورقية المعتمدة بشكل رسمي، مشددا على أن سوق العملات الافتراضية يعرف هزات كبيرة قد تودي برؤوس الأموال.