خص سعادة سايمون بيني، المفوض التجاري لصاحبة الجلالة لمنطقة الشرق الأوسط، صحيفة لوسيل بمقال عن كيفية مساندة المملكة المتحدة لسعي قطر ومنطقة الخليج بوجه خاص إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بالزراعة.
وقال بيني إن قيادات منطقة الخليج، وهي منطقة تستورد أغلب غذائها من الخارج، متأهبة تماما لزيادة الإنتاج المحلي في خضم انتشار الجائحة العالمية. حيث إن عدم أمن الإمدادات العالمية اتضح بشكل جلي في بداية الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي ومرة أخرى هذه السنة مع استمرار تأثير فيروس كورونا في العام الحالي وتسببه في تقييد إمكانية تصنيع الغذاء في العالم.
تاريخيّاً، استوردت منطقة الخليج نحو 90% من احتياجاتها من الغذاء، لكن في أجواء حالة عدم اليقين الجغرافي-السياسي التي نشهدها اليوم، أضحت تلك الاستراتيجية تنطوي بشكل متزايدة على مخاطرة. وهذه المنطقة، التي يقيّد إمكاناتها الزراعية عوامل التربة القاحلة وشح المياه ودرجات الحرارة المرتفعة، تسعى الآن إلى طرق جديدة لتعزيز إمكاناتها بمجال الإنتاج الغذائي المحلي سريعا وبدرجة كبيرة.
لذا تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي الآن إلى حلول في قطاع التكنولوجيا الزراعية الحيوي وهو قطاع مزدهر يُتوقع أن يفوق حجمه 136 مليار جنيه إسترليني على مستوى العالم بحلول سنة 2025، تبعا لمركز Agri-Epi المعني بابتكار الدقة الهندسية الزراعية.
ويصف مصطلح التكنولوجيا الزراعية بشكل عام زيادة إنتاجية واستدامة الزراعة والمزارع والزراعة المائية والغابات وهذا القطاع المتنامي يمكن أن يكون له دور أساسي في تعزيز قدرات الزراعة المحلية أثناء جائحة كوفيد وبعد انجلائها على حد سواء.
وعملت دول الخليج في الشهور الأخيرة على زيادة مبادراتها بمجال التكنولوجيا الزراعية، مستعينة بحلول مبتكرة لتحقيق أكبر استفادة ممكنة من مواردها الطبيعية المحدودة بقطاع الزراعة.
وفي قطر يعتبر القطاع الزراعي قطاعاً استراتيجياً، تديره وتموّله الحكومة طبقاً لإستراتيجية أمن غذائي علنية محددة بوضوح. وتستعد قطر لاستضافة المعرض الزراعي العالمي 2021 في العام المقبل، وقد أطلقت مؤخراً مجموعة كبيرة من مشاريع التكنولوجيا الزراعية لزيادة إنتاجية الزراعة ومصائد الأسماك فيها بشكل مستدام. لقد شهد قطاع الزراعة في قطر تطورا ملحوظا خلال السنوات الثلاثة الماضية: فقد زاد إنتاج الخضراوات بنسبة 30% وحققت الدولة اكتفاء ذاتياً بنسبة 100% في منتجات الألبان والدواجن الطازجة. وفي الواقع، تحتل قطر المركز 13 عالمياً على مؤشر الأمن الغذائي العالمي، متصدرة بذلك دول مجلس التعاون الخليجي في تحقيق الأمن الغذائي.
وفي الكويت، الواقعة في شمال الخليج العربي، تسعى مؤسسة الكويت للتقدم العلمي إلى استلام مقترحات بشأن حلول رقمية تتعلق بتوفير الغذاء من المزارع إلى مائدة الطعام، وذلك لتمكين المزارعين الكويتيين من بيع منتجاتهم للمستهلكين مباشرة، إلى جانب حلول لزيادة الإنتاج الزراعي والسمكي. وبموازاة ذلك، فإن مزارع بيور هارفست Pure Harvest الذكية تتوسع في مفهومها بشأن الزراعة في بيئة يجري التحكم بأجوائها في أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي بموجب صفقة بقيمة 35 مليون دولار لبناء مزارع عالية التقنية في الكويت.
وفي سلطنة عمان، تتطلع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه إلى استلام مقترحات بشأن مشروع للزراعة الذكية لإنتاج الخضار بكفاءة في الأحوال الجوية القاسية في السلطنة.
نهج مستدام تجاه التكنولوجيا الزراعية بفضل الأبحاث والتطوير في المملكة المتحدة:
نرى في هذا الصدد تفوق مؤهلات المملكة المتحدة بقطاع الزراعة. حيث تشتهر بكونها رائدة على مستوى العالم بالأبحاث والتطوير بقطاع التكنولوجيا الزراعية، إلى جانب ما تتمتع به من قوة أكاديمية وتجارية في مجالات الروبوتات، والبيانات الضخمة، والهندسة الدقيقة، والاستشعار عن بعد، والإدارة الذكية لموارد المياه، وتكاثر النباتات والحيوانات.
ويوجد العديد من مورّدي ومؤسسات التكنولوجيا الزراعية البريطانية التي لديها نشاط في منطقة الشرق الأوسط. إذ تضم مؤسسة فيرا ساينس Fera Science البريطانية 350 من العلماء، وتعمل مع خبراء استراتيجيين حكوميين في قطر والكويت لدعم أهداف أبحاث وتجارب التكنولوجيا الزراعية في المنطقة. هذه المؤسسة، والتي مقرها في يورك، معنية بتوفير خبرات مراقبة المحاصيل ومسببات أمراضها، إلى جانب حماية هذه النباتات المنتجة للمحاصيل، والمعرفة بمجال الزراعة المائية، وعلوم السلسلة الغذائية.
كما تعمل جامعة شيفيلد مع جامعة صحار في سلطنة عمان لتطوير بيت زجاجي يستعين بتقنيات متطورة لمساعدة المحاصيل على النمو في المناخ القاسي في السلطنة. هذا البيت الزجاجي، الذي تبلغ مساحته 150 متراً مربعاً وتُستخدم في تشغيله طاقة متجددة، يتيح الإنتاج الزراعي في المناخ الجاف وذلك بالاستعانة بنظام فريد لزراعة النباتات بالاسفنج ونظام لتحلية المياه بتبخيرها باستخدام الطاقة الشمسية.
وفي الوقت نفسه، تستعد شركة جونز فود Jones Food البريطانية، والتي لديها أكبر مزرعة للزراعة العامودية في أوروبا بمساحة تتجاوز 5,000 متر مربع، لإبرام عدد من الشراكات طويلة الأجل في جميع أنحاء المنطقة. تستخدم هذه الشركة أنظمة زراعة مائية فريدة تستعين بالطاقة المتجددة بالإضافة إلى استهلاكها للمياه بكميات تقل بنسبة 95 بالمئة عن كمية المياه المستخدمة في الزراعة التقليدية.
وبينما تواصل حكومات المنطقة التركيز بوضوح على أمن الغذاء، توجد إمكانات واسعة جدا لإقامة شراكات بمجال التكنولوجيا الزراعية.
من المنتظر لقطاع الزراعة في المنطقة أن يتميز بكونه ذكيا ومرتبطا بالتكنولوجيا ومستداما ويُتوقع أن يدفعه مزيج من التفاؤل والاستثمار في التكنولوجيا، وشراكات حقيقية بين المملكة المتحدة والشرق الأوسط.