سجلت أسعار الغاز الطبيعي المسال في شمال آسيا مستويات قياسية تجاوزت 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية للمرة الأولى، وكسرت حاجزًا لم يكن يعتقد أنه ممكن حتى وقت قريب، وأساس هذا التحرك الدراماتيكي في السوق هو الطقس البارد الذي ضرب النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
وعززت درجات الحرارة المتجمدة في جميع أنحاء شمال آسيا من استهلاك الغاز وتسببت في نقص بعض المستخدمين النهائيين، مما أدى إلى ارتفاع السوق الفوري إلى مستويات عالية جديدة. وفي الوقت نفسه أدت العديد من مشكلات الإنتاج في مرافق التصدير والتأخير في عبور قناة بنما إلى كبح الإمدادات.
والشاهد أن هناك عددة عوامل (رصدتها لوسيل) ساهمت في الارتفاع القياسي لأسعار الغاز الطبيعي المسال، من بينها موجة البرد الشديدة في شمال آسيا والانقطاع في الإمدادات بسبب بعض عمليات الصيانة غير المخطط لها من قبل 4 موردين هم أستراليا والنرويج وقطر وماليزيا، بالإضافة إلى الازدحام البحري الذي حدث في ممر قناة بنما بالنسبة لعبور سفن الغاز الطبيعي المسال القادمة من الولايات المتحدة والمتجهة إلى أسيا وهذا الازدحام بسبب تغيير نظام المرور عبر القناة ومن المتوقع أن يستمر هذا الازدحام حتى مارس المقبل، في الوقت الذي تتواصل فيه موجات البرد تضرب شمال القارة الآسيوية رأينا كيف ضربت موجات البرد القارة الأوروبية هذه الأيام وتساقط الثلج بشكل نادر في العاصمة الإسبانية مدريد لأول مرة منذ 40 عاماً.
ويرى كثير من الخبراء أن سوق الغاز الفوري يواجه العديد من التحديات ويمثل خطورة كبيرة على الموردين والمشترين لأنه عرضة للتقلبات، مما يجعل أمن الطاقة في خطر في حال تجاوزت حصته في السوق نسبة معينة، وذلك باعتبار أن الغاز الطبيعي المسال هو سلعة حيوية وضرورية لأمن الطاقة للدول المستوردة.
في حديثه لشبكة بلومبيرغ أكد سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لقطر للبترول على ضرورة التوجه نحو العقود طويلة الأجل، قائلاً: أعتقد أن المدى الطويل هو النهج الأفضل. إنها أفضل طريقة لكلا الجانبين. هي أفضل طريقة للمشتري وأفضل طريقة للبائع وتتمتع بدرجة من اليقين من الطلب المطلوب. ويكون هناك فهم لما هو مطلوب من قِبَل كل بلد على المدى الطويل. متطلبات الشتاء تختلف عن متطلبات الصيف، وكذاك تختلف متطلبات التخزين، لذلك، عندما توقع عقدا مع موّرد قوي مثل قطر، يتمتع بسجل حافل لأكثر من 20 عاما لم تتخلف خلالها عن أي شحنة لأي عميل، فإنه يكون لديك يقين من التوريد .
ونوه سعادة المهندس الكعبي إلى ضرورة التوجه نحو العقود الآجلة قائلاً: أعتقد أن الكثير من الدول تنظر إلى الاستقرار طويل الأمد ببالغ الأهمية. هناك مغالطة مفادها أن الغاز الطبيعي المسال يتم تداوله كسلعة يمكنك الحصول عليها في السوق الفوري - سوق فوري لا نهاية له. هذا ليس صحيحا، وقد تم إثبات ذلك من خلال توقف محطتي إنتاج فقط بسبب أعمال فنية طبيعية واعتيادية تحصل في أي مصنع، حيث ارتفعت الأسعار إلى أكثر من 30 دولارا. وكذلك، اقتربت أسعار الغاز من دولارين العام الماضي بسبب الجائحة واقتربت أسعار الغاز هذا العام من أكثر من 30 دولارا.
وقفزات الأسعار الكبيرة ليست جيدة لكل من المشتري والبائع. لذلك، أعتقد أن نسبة 10% من إنتاجنا أو ما يقارب ذلك سيكون في السوق الفوري سيكون شيئًا معقولا. ونحن قادرون على فعل أي منهما .
وسجل مؤشر اليابان - كوريا (وهو المعيار الآسيوي للوقود) ارتفاعاً بنسبة 15٪ إلى 32.494 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية الثلاثاء الماضي وهو أعلى مستوى له منذ 2009.
وتمثل هذه القفزة تحولاً كبيرًا في الوقود الذي سجل أدنى مستوى له على الإطلاق قبل أقل من تسعة أشهر وسط عمليات الإغلاق بسبب انتشار فيروس كورونا، مما جعل أسعار الثلاثاء الماضي تمثل ارتفاعًا بمقدار 18 ضعفًا عن هذا المستوى.
ويرى خبراء أن هذا الارتفاع في أسعار الغاز يعتبر علامة فارقة في تطور سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث إن الأحجام المنقولة بحراً من هذا الوقود ارتفعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة لخدمة الطلب المتزايد على توليد الطاقة في آسيا والبلدان التي تسعى إلى التحول من الفحم. استثمر العديد من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم عشرات المليارات من الدولارات في مصانع تعمل على تسييل الغاز الطبيعي قبل التصدير.
ولمواجهة الازدحام المروري في قناة بنما خلال الأيام الماضية وذلك بسبب تغيير نظام عبور السفن، ولأن هذه الناقلات (ناقلات الغاز المسال الأمريكية) أحد الموردين الأساسيين للسوق الآسيوي وضمن العوامل التي ساهمت في ارتفاع الأسعار، رأينا في الأيام السابقة الكثير من الجهود التي بُذِلت من أجل تفادي الازدحام، فمنذ بداية ديسمبر ووفقاً للمعلومات التي حصلت عليها لوسيل من بلومبيرغ اختارت 11 سفينة شحن أمريكية استخدام قناة السويس بدلاً من قناة بنما، واختارت ستة سفن رأس الرجاء الصالح وكلاهما طرق طويلة وتعتبر ذات تكلفة عالية وتحتاج لوقت أكبر مما يزيد من وتيرة التدافع على استئجار السفن وبالفعل سجلت أسعار استئجار السفن مستوى لم يسبق له مثيل وهو 350 ألف دولار في اليوم.
ومن المؤكد أن الغاز الطبيعي المسال الذي يتم تداوله على أساس فوري ليس سوى جزء بسيط من السوق ككل. ويتم توفير معظم الوقود بموجب عقود طويلة الأجل ترتبط غالبًا بأسعار النفط الخام. ولا يتوقع أحد أن تدوم المستويات الفورية الحالية للغاز الطبيعي المسال إلى أجل غير مسمى.
وختاماً يمكن القول بأن قطر تعد أحد المستفيدين المحتملين من سوق الغاز الطبيعي المسال باعتبارها أكبر وأرخص منتجي الغاز الطبيعي المسال، كما أنها في موقع جغرافي مميز في منتصف المشترين الرئيسيين للغاز وهما السوقان الآسيوي والأوروبي. كما أن قطر تتمتع بتكلفة إنتاج قليلة تعطي الدوحة ميزة على المدى الطويل مقارنة بالمنتجين الآخرين وحتى عند مستويات أسعار منخفضة، كما ذكر سعادة المهندس الكعبي، أن قطر والتي أعلنت توسعة حقل الشمال بتكلفة استثمارية تصل لحوالي 30 مليار دولار تستطيع المضي في تطوير أكبر مشروع للغاز في العالم حتى عند مستويات 20 دولارا للبرميل.
ومن العوامل المهمة بالنسبة لقطر هو امتلاكها لأكبر أسطول لناقلات الغاز الطبيعي المسال، حيث تمتلك شركة ناقلات أسطولا يضم حوالي 74 ناقلة غاز وهو الأكبر عالمياً يمثل حوالي 12% من القدرة العالمية لشحن الغاز الطبيعي المسال. ووقعت قطر للبترول مؤخراً عقوداً مع الصين وكوريا الجنوبية لبناء سفن غاز طبيعي مسال بقيمة أكثر من 70 مليار ريال بما يمكنها من حجز 60% من السعة العالمية لبناء سفن الغاز المسال وذلك لبناء حوالي 100 سفينة جديدة كلها عوامل تساهم في الحد من تكلفة نقل الغاز والصمود في مواجهة تقلبات السوق أو عدم توفر ناقلات الغاز في موسم بعينه.