دعوات لإعادة دوران عجلة الاقتصاد إلى الإنتاج والتوظيف

العولمة.. تحديات ما بعد كورونا.. استمرار أم إعادة ضبط؟

لوسيل

شوقي مهدي

قال خبراء واقتصاديون إن العولمة أصبحت تواجه تحديات كبيرة في ظل انتشار وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي تسبب في إغلاق اقتصادات العالم خلال الفترة الماضية، بالإضافة لوجود أخطار مستمرة مثل عدم الالتزام من الدول وفرض المزيد من الجمارك التي تتنافى مع اتفاقية التجارة الدولية وغيرها.

وطالب الخبراء الذين تحدثوا لـ لوسيل دول الخليج باتخاذ المزيد من الإجراءات وإعادة النظر في سياساتها المالية وهيكلتها الاقتصادية وتبني التنويع الاقتصادي بشكل أكثر جدية.

ورغم ذلك يرى الخبراء أنه لا بديل لنظام العولمة من أجل فائدة الاقتصاد العالمي، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه النظام حالياً، ولابد من حرية انتقال المعلومات وتدفق رؤوس الأموال والأفكار المختلفة والتكنولوجيا والمنتجات والسلع وغيرها من الركائز الأساسية التي تقوم عليها العولمة.

كيانات جديدة

ومعروف أن عولمة الاقتصاد يتبعها عولمة المشكلات وانتقالها من دولة لأخرى، وبالتأكيد فإن العالم بعد كورونا لن يكون مثلما كان قبلها، وقد تصبح نقطة البداية لولادة كيانات اقتصادية جديدة وظهور قوى جديدة أو إعادة قوى جديدة خاصة في الوقت الذين تحاول فيه الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب عزل نفسها عن العالم والتراجع عن دورها القيادي اقتصادياً على الأقل ولاحظنا خلال فترة حكم الرئيس ترامب خروجها من عدد من الكيانات العالمية وتهديده بالخروج من كيانات أخرى، كلها أسئلة تفرض نفسها بقوة حول مستقبل العولمة بعد جائحة كورونا.

الآن وبعد إعلان العديد من الدول العودة التدريجية لاقتصادها ورفع القيود التي كانت بسبب فيروس كورونا، اكتشفت العديد من الدول ضرورة تبني خطط تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الإستراتيجية والخدمات وتشجيع المصنعين ببناء سلاسل إمداد مرنة يمكن أن تشكل بديلاً للمزودين العالميين، خاصة وأن الوباء كشف مدى هشاشة نظام العولمة، حيث وجدت بعض القطاعات الاقتصادية وضعها جيدا في الأزمة والبعض الآخر وجدت نفسها على وشك الانهيار في حال حد الوباء من قدرة المزودين على الإنتاج لسلع ضرورية الاستخدام.

هل انتهت العولمة؟

السؤال الذي يطرح نفسه هل انتهى عصر العولمة؟ يقول الخبير المالي والاقتصادي أحمد حمد النعيمي إنه من الصعوبة بمكان الحديث عن مصير العولمة بعد جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) ولكننا بأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت إعادة النظر في الكثير من بنود الاتفاقية، وبدأ الناس يعرفون على سبيل المثال أن هناك رسوما جمركية على منتجات الألبان الأمريكية بنسبة 300% في كندا، وهذا لا يتماشى مع مبدأ العولمة، وهناك رسوم على السيارات في المكسيك، بالإضافة لانتقال الكثير من الشركات الأمريكية للتصنيع في الصين بسبب العمالة الرخيصة، وبدا أن هناك الكثير من الدول لم تلتزم بالاتفاقيات، ونجد أن الصين وضعت قيوداً وحواجز للشركات الأمريكية للعمل في الصين بما في ذلك البنوك الأمريكية التي تريد افتتاح فروع لها في الصين بنسبة تملك 100% وبالتالي فإن الولايات المتحدة رأت بأن المنافسة غير متوازنة وتسعى لأن تكون هناك معاملة بالمثل وهددت الشركات الأمريكية برسوم على المنتجات التي تنتج في الصين وتصدرها لأمريكا. وهناك الكثير من الشركات التي رجعت إلى أمريكا ورأينا تحسنا في معدلات البطالة التي وصلت إلى 3.5% وهذا رقم تاريخي (من قبل كورونا) ورأينا أسواق الأسهم ترتفع لمستويات تاريخية في أمريكا وكلها أصبحت لها مردود إيجابي على الاقتصاد الأمريكي.

ويرى النعيمي أن نجاح ترامب في هذا المنحنى يشجعه على الاستمرار في اتخاذ المزيد من الإجراءات، وسيطالب بإعادة النظر في هيكلة منظمة التجارة العالمية.

تصدعات في النظام

وبسؤال النعيمي، هل كان نظام العولمة من تصدعات تعجل برحيله بعد وباء كورونا؟ وأجاب أنه العولم تعاني بالفعل من مشاكل من قبل أزمة كورونا، وبالتالي نجد أن أمريكا اتخذت هذه الخطوات حتى من قبل انتشار الوباء، ونتوقع أن تصل لمرحلة لتقييم نتائج كل اتفاقياتها مع الدول وعندها ستتضح الأمور. موضحاً أن عجز الميزان التجاري الأمريكي مع الصين لا يزال كبير جداً لسنوات كثيرة والشركات الصينية أصبحت تكتسح العالم وصارت معظم منتجات العالم تأتي من الصين حتى الشركات الأمريكية وأصبحت الصين بؤرة للإنتاج العالمي، وهذا بدوره يحد من قدرة الولايات المتحدة على التصنيع والمنافسة في التجارة الدولية. والأهم من ذلك قضية الملكية الفكرية وأصبحت الاختراعات والمنتجات الجديدة خاصة التكنولوجيا وهذه تعتبر إحدى نقاط القوة بالنسبة لأمريكا.

وأمريكا تريد الحد من هذا والاعتراف بالملكية الفكرية للمنتجات والتكنولوجيا التي تعتبر إحدى نقاط القوة الأمريكية، والصين كانت تعمل على جذب هذه الإنجازات والاستفادة من نقل التكنولوجيا في صناعتها وإذا استمرت في ذلك ستفقد أمريكا إحدى قواها الاقتصادية.

ما هو البديل؟

يرد النعيمي بأنه لا يوجد بديل للعولمة وتبقى هي الخيار القائم وإعادة النظر فيها هو خيار آخر، إلا أنه أضاف بأن استقالة رئيس منظمة التجارة العالمية قبل موعد انتهاء فترته بسنة تقريباً يضع المنظمة في مفترق طرق، وكيف سيحل الرئيس القادم للمنظمة الأزمة بين أمريكا والصين أكبر الاقتصاديات، وستناقش الكثير من المواضيع التي ستطرحها أمريكا، وترامب لا يزال يهدد الصين بإجراءات أكبر ممن كانت قبل الجائحة. ولا يوجد بديل إلا الالتزام بمبادئ التجارة الدولية من الجميع أو أن تقوم بإجراءات خاصة.

ملامح النظام الجديد

وحول ظهور نظام عالمي جديد يقول النعيمي إن هذا يعتمد على مدى تجاوب الدول الأخرى والتزامها بمبادئ العولمة وإن لم يكن هناك التزام محدد بتواريخ محددة ستلجأ الدول لإجراءات الحماية وأمريكا بدأت تضع بعض الإجراءات الحمائية، والاتفاقية بين أمريكا والمكسيك وكندا نجح فيها ترامب والتزمت فيها الدول الأخرى. وهنا تظهر القوة الاقتصادية وما يميز أمريكا أكبر سوق استهلاكي في العالم لا تستطيع دولة أن تستغني عنها.

لا أحد يستطيع أن يرسم صورة واضحة للمستقبل بعد كورونا، خاصة وأن الانخفاض الكبير في معدلات النمو جراء الجائحة وانهيار أسعار النفط كلها عوامل تلقي بظلالها على اقتصادات العالم، مشدداً على أن الأولوية حالياً ستكون للخروج من الوضع القائم الآن وإعادة دوران عجلة الاقتصاد نحو الإنتاجية والتوظيف والدول لديها مشاكلها الخاصة وهي مشاكل لها أولوية قبل الشروع في مناقشة اتفاقية التجارة الدولية، كما أن هذه الآثار (آثار جائحة كورونا) ستعمل على هيكلة اقتصاديات الكثير من الدول بدون شك، بما فيها دول الخليج.

مصير الكيانات الأممية

وفي رده على سؤال حول مصير الكيانات الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي يرى النعيمي أن الاتحاد الأوروبي يعيش الآن تراجعاً في النمو الاقتصادي بشكل كبير وخلال الربع الأول تراجع بحوالي 3.5-%، موضحاً أن المشكلة الكبيرة التي ستواجه العالم هي إعادة تنشيط اقتصادياتها وتحتاج هذه الدول رؤوس أموال كبيرة وستواجه عدة عوائق مثل توفير رؤوس الأموال خاصة وأن الدول استهكلت كافة أدواتها للتأثير على الاقتصاد، كما أن أسعار الفائدة انخفضت لما يقارب الصفر وتم استهلاك المبالغ التي صرفت على برامج إنعاش الاقتصاد بسياسات التيسير الكمي.

تراجع مرحلة الرفاه الاجتماعي

دول الخليج لم تنجح في تنفيذ إستراتيجيات تنويع مصادر الدخل

دول الخليج وباعتبارها من الاقتصادات التي تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط والغاز تواجه تحديات مختلفة، ويرى النعيمي بأن هذه الدول ستمر بمرحلة بدأت بوادرها تظهر وهي مرحلة صعبة منها انخفاض أسعار البترول لهذا المستوى الذي ستكون له تداعياته السلبية دون شك وتظهر الحاجة لإعادة النظر في الكثير من السياسات المالية وهيكلة اقتصادياتها وإعادة النظر في الكثير من القضايا المتعلقة بالآليات التي تحتاجها هذه الدول لتنويع مصادر دخلها لأنها حتى الآن لم تنجح في تنفيذ إستراتيجيات تنويع مصادر الدخل، وعليها التفكير جدياً في إيجاد الوسائل التي يمكن أن تفيد هيكلة الاقتصاد وتخفف من الاعتماد على النفط والغاز.

الرفاه الاجتماعي

وبسؤال النعيمي حول مستقبل الرفاه الاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي؟ فأجاب بأن مرحلة الرفاه الاجتماعي الآن بدأت تتراجع بقوة والآن وصلنا لمرحلة الاستعداد إلى ما بعد الجائحة والتعامل مع تداعيات انخفاض أسعار النفط والغاز.

سؤال آخر يطرح نفسه بقوة، من هم الرابحون والخاسرون من نظام ما بعد كورونا، ومصير الصين باعتبارها أصبحت مصنع العالم؟ قال النعيمي إن الجميع خاسر والكل يعاني وهذا واضح من الإحصائيات والمؤشرات التي تنشرها الدول بشكل أسبوعي وشهري مما يوضح بأن الاقتصاديات في تراجع والحاجة في دعم الاقتصاديات بمبالغ كبيرة حتى الآن مستمر.

وفيما يتعلق بالصين سيكون هناك نوع من التجاوب تجاه بعض المطالبات المتعلقة بالعوائق التجارية يتعلق بالتجارة البينية خاصة بين الصين وكل من أمريكا وأوروبا، وحتى الآن الرؤية غير واضحة بالنسبة للصين ولكن بكل تأكيد لن تكون كما كانت قبل جائحة كورونا.

د. حداد: العولمة لن تنتهي وستظل أداة ضرورية للازدهار والنمو الاقتصادي

ستظل العولمة شرطا ضرورياً للارتباط والتعاون الدوليين ويرى الدكتور محمود حداد، أستاذ الاقتصاد بجامعة تينسي الأمريكية أن العولمة بدأت لحظة بدأت التجارة تعبر الحدود، ولطالما استمرت التجارة بين البلدان، ستظل العولمة أداءة ضرورية للازدهار والنمو الاقتصادي، لذلك ووفقاً للدكتور حداد لن تتوقف العولمة أبداً عن الوجود.

ويتابع الدكتور حداد في حديثه لـ لوسيل أن جائحة كورونا من شأنها أن تغير الطريقة التي نفهم بها العولمة كما في القرنيين العشرين والحادي والعشرين، وتأمل الإمبراطوريتان الأخيرتان في أن تؤدي العولمة لتجانس اقتصادي، وطالما استمرت التجارة بين الدول ستظل العولمة شرطاً ضرورياً للارتباط والتعاون الدوليين. ومع ذلك فقد تعلمت البلدان من جائحة كورونا بالعمل على الاعتماد الذاتي على السلع والخدمات الأساسية.

ولا يرى الدكتور حداد بديلاً للعولمة في الوقت الراهن وذلك بسبب الوضع الحالي والمتوقع لتكنولوجيا المعلومات والنقل والموارد الطبيعية وأوضح الدكتور حداد أن ملامح الاقتصاد الجديد ستكون فيها الدول أكثر تحولاً نحو الاكتفاء الذاتي في إنتاج السلع والخدمات الأساسية. إلا أن الدكتور حداد بأنه من الصعب التنبؤ في هذه المرحلة الصعبة بمستقبل التحالفات والكيانات القائمة حالياً بين الدول.

منظمة التجارة

وحول الوضع الذي ستكون عليه منظمة التجارة العالمية، يقول الدكتور حداد إنه على الرغم من الاختلافات الحالية بين منظمة التجارة العالمية والولايات المتحدة ولكنني أعتقد أن منظمة التجارة العالمية ستظل كياناً مهماً لإدارة التجارة العالمية.

وعن مستقبل النظام الاقتصادي بعد انتهاء فيروس كورونا يقول الدكتور حداد: بما أن الوباء لا يزال يؤثر على الاقتصاد العالمي فمن الصعب التنبؤ بالفائزين والخاسرين لذلك لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما إذا كان سيكون الأفضل أو للأسوأ وكل الأمل أن يكون للأفضل.

استئصال العولمة

ويقول حداد إن فكرة استئصال العولمة بحد ذاتها ليست عقلانية بالتالي فنحن غير قادرين على التنبؤ بمن سيفوز أو يربح في المستقبل. إلا أنه أضاف بأن الصين ستصبح قوة اقتصادية متساوية أو رقم واحد عالمياً.

وفي رده على سؤال إلى مدى يمكن أن تكون التجارة الحرة غير عادلة؟ يقول بأن التجارة الحرة ستصبح غير عادلة إذا حاول أي بلد ما السيطرة على التجارة العالمية.