تتجه أنظار مجتمع المال والأعمال العالمي إلى مدينة فلاديفوستوك، أقصى نقطة في الشرق الروسي المطل على المحيط الهادي، التي تستضيف اعتبارا من اليوم وعلى مدار أربعة أيام، فعاليات الدورة الحادية عشرة لمنتدى الشرق الاقتصادي 2026 ، ويواصل هذا الحدث، الذي أُطلق لأول مرة عام 2015، ترسيخ موقعه كمنصة استراتيجية سنوية تهدف إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية والمحلية لتنمية منطقة الشرق الأقصى الروسي، وتوسيع آفاق الشراكات الاقتصادية في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
ويعقد المنتدى هذا العام تحت شعار /الشرق الأقصى - التنمية من أجل رفاه الناس/، ويمثل منصة دولية رئيسية لتعزيز العلاقات بين أوساط الاستثمار الروسية والعالمية، وتقديم تقييم شامل من الخبراء للإمكانات الاقتصادية للشرق الأقصى الروسي، وعرض فرص الاستثمار وظروف الأعمال في مجالات التنمية ذات الأولوية.
ويقدم المنظمون المنتدى بوصفه أداة عملية لهذه السياسة وليس مجرد مؤتمر للحوار، ويقولون إن مشروعات الاستثمار الجاري تنفيذها في الشرق الأقصى تقترب من ثلاثة آلاف مشروع، باستثمارات منفّذة تبلغ أكثر من سبعين مليار دولار، مع تشغيل أكثر من 1100 منشأة وخلق أكثر من 180 ألف فرصة عمل.
ويتضمن برنامج المنتدى هذا العام أكثر من 70 جلسة موزعة على 5 مسارات رئيسية، تشمل جودة الحياة والعمل في الشرق الأقصى، وجذب الاستثمارات الخاصة، والتعاون الدولي، والتكنولوجيا، والنقل والبنية التحتية.
وقبيل افتتاح المنتدى، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في رسالة إلى المشاركين، إن المنتدى أصبح على مدى سنواته، منصة للحوار بين قطاع الأعمال والسلطات والخبراء، ولمناقشة التنمية الاستراتيجية للشرق الأقصى وروسيا عموما، وتعزيز العلاقات مع شركاء منطقة آسيا والمحيط الهادي في مجالات تشمل اللوجستيات والصناعة والطاقة.
وقال المنظمون إن أكثر من 5 آلاف مشارك من أكثر من 70 دولة ومنطقة أكدوا مشاركتهم في المنتدى، بينما تبرز الصين في مقدمة المشاركين ذوي الثقل السياسي والاقتصادي. ويكشف البرنامج الاقتصادي للمنتدى عن تحول واضح من التركيز التقليدي على عرض الموارد الطبيعية والمشروعات الاستثمارية في الشرق الأقصى إلى أجندة أوسع تجمع التنمية الاجتماعية والاستثمارات والتكنولوجيا والربط اللوجستي والعلاقات الخارجية.
ويقول المحللون إن حجم المشاركة الأجنبية في المنتدى لا يكفي وحده لقياس نجاحه، إذ سيكون الاختبار الأكثر أهمية هو طبيعة الاستثمارات والاتفاقات التي سيخرج بها المنتدى، وحجم رؤوس الأموال الأجنبية الفعلية، وقدرة مشروعات النقل والطاقة والصناعة على تجاوز اختناقات البنية التحتية التي تحد من التوسع الاقتصادي في الشرق الروسي.
وإلى جانب الجلسات الاقتصادية الأساسية، يستضيف منتدى الشرق الاقتصادي 2026 منتدى الصناعات الإبداعية، ومنتدى الشباب يوم المستقبل ، ومنتدى الشركات الصغيرة والمتوسطة، والمنتدى الدولي يوم الصقر ، والمؤتمر الدولي لمنظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي أبيك بشأن التعاون في التعليم العالي، إلى جانب فعاليات ومعارض مرتبطة بأقاليم الشرق الأقصى.
يمثل الشرق الأقصى الروسي كنزا من الثروات الطبيعية الهائلة والإمكانات الاقتصادية الاستراتيجية، تسعى روسيا إلى استغلاله لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
وتمتد هذه المنطقة الواقعة في أقصى شرق الجزء الآسيوي من روسيا، من سيبيريا شرقا حتى المحيط الهادي غربا، ومن المحيط المتجمد الشمالي شمالا حتى الصين وكوريا الشمالية جنوبا، ويغطي مساحة تقارب 6.2 مليون كيلومتر مربع، أي ما يزيد عن ثلث مساحة البلاد، ورغم ذلك لا يضم سوى 6 بالمئة من إجمالي عدد السكان.
وتتميز هذه المنطقة بتنوعها المناخي وامتدادها على 4 مناطق زمنية، ما يمنحها طابعا فريدا في الجغرافيا الروسية. كما تزخر بثروات طبيعية هائلة تشكل ركيزة أساسية للناتج المحلي الإجمالي، وتلعب دورا محوريا في تعزيز قوة روسيا الاقتصادية على المستوى العالمي. وتضم المنطقة مصادر ضخمة للطاقة، إذ تحتوي على احتياطيات هائلة من النفط والغاز، من بينها مشروع سخالين للغاز الطبيعي المسال، وهو من أكبر المشاريع في العالم، ويسهم بنسبة تقارب 4 في المئة من الإنتاج العالمي بهذا القطاع، وتوجه صادراته بالأساس إلى دول آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
ولا يقتصر غنى المنطقة على الطاقة، بل يشمل أيضا المعادن الثمينة والنادرة، فهي تنتج كميات كبيرة من الذهب والفضة والبلاتين والنحاس والنيكل والكوبالت، إلى جانب الفحم والألماس، وتقدر قيمة إنتاج الذهب فيها بمليارات الدولارات سنويا.
ويمتد التنوع الاقتصادي في الشرق الأقصى إلى الموارد البحرية، حيث تطل المنطقة على المحيط الهادي، وتضم مناطق صيد تعد من بين الأغنى عالميا، إذ تنتج أنواعا متعددة من الأسماك والمأكولات البحرية، كما تمثل الغابات موردا أساسيا، إذ تغطي أكثر من نصف مساحة المنطقة، وتستخدم في إنتاج الأخشاب وصناعة الأثاث والورق، بينما تصل قيمة صادراتها من المنتجات الخشبية إلى أكثر من عشرة مليارات دولار سنويا. وتعزز الموارد المائية من أهمية المنطقة، بفضل الأنهار الجارية والبحيرات المنتشرة، التي تستخدم في الري والصيد والنقل، وتوفر إمكانات كبيرة لتوليد الطاقة الكهرومائية.
ورغم المناخ القاسي الذي يطبع الشرق الأقصى، حيث تنخفض درجات الحرارة في الشتاء إلى نحو خمسين درجة تحت الصفر، وتطول فصول الشتاء مع قصر الصيف، فإن المنطقة تحتفظ بجاذبية استثمارية متزايدة، استنادا إلى مواردها الغنية وموقعها القريب من الأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، مما يمنحها ميزة استراتيجية لتطوير الصناعات وتكثيف التبادل التجاري.