شكلت بورصة قطر خلال العقدين الماضيين نقطة انعطاف كبيرة على طريق التوزيع العادل للثروة، وتوسيع دائرة استثمار الأفراد في الشركات الوطنية، ومهدت عبر الكثير من البرامج والممارسات إلى تعزيز ثقافة الاستثمار في الأدوات المالية وتداول الأسهم، حيث عملت على ترجمة الأهداف والسياسات العامة لتحفيز المدخرات ورأس المال الداخلي للانخراط في قنوات استثمارية آمنة ورابحة تُوِّجت في وقت قياسي بانضمام الغالبية المستهدفة إلى سوق الاكتتابات الأولية والسوق الثانوية كمستثمرين ومضاربين وحملة أسهم. خطوات انعكست خلال فترة وجيزة على الوضع الاجتماعي لشريحة عريضة من المجتمع وجدت في الاستثمار بالشركات المدرجة خياراً استثمارياً ناجحا.
لقد غيّرت سوق الاكتتابات الأولية في قطر النمط التقليدي للاستثمار عند الأفراد وأغدق الاستثمار في سوق الأوراق المالية على المستثمرين الجدد عوائد مالية مجزية ومغرية، ما أدى إلى استقطاب مزيد من المدخرات والسيولة إلى السوق الثانوية التي يشكّل الأفراد القطريون فيها اليوم ما نسبته 70% من أحجام التداولات اليومية في 47 شركة وصندوق استثمار، محصّنة جميعها بممارسات الحوكمة الرشيدة ومسلّحة بقواعد الإفصاح والشفافية ومصانة بعدالة السوق ومحمية بسلامة التداول.
لا يستطيع الباحث أو المتتبع لقصة صعود بورصة قطر كبيئة استثمارية جاذبة وآمنة إلاّ أن يعتبر البورصة مرآةً للحالة الاقتصادية المتطورة التي شهدتها الدولة على مدى العشرين عاما الماضية والتي تجسدت باكتمال مشاريع البنية التحتية لقطاع النفط والغاز، وتصدرها قائمة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، والتوجه نحو اعتماد سياسات اقتصادية تقوم على تنويع مصادر الدخل عبر مشاريع متنوعة ذات قيمة مضافة، وإعادة استثمار الفوائض المالية ضمن برامج ومشاريع تنموية واستثمارية داخلياً وخارجياً - بما يحقق أهداف الرؤية الوطنية، والخطط والإستراتيجيات التي عززت من مكانة قطر على الخريطتين السياسية والاقتصادية الدولية.
على مدى ربع قرن من تأسيس بورصة قطر، شكّل سوق المال نقطة اهتمام وجذب لرؤوس أموال الشركات والمؤسسات والأفراد على حد سواء، وأثبتت التجارب والأزمات أن السوق القطري من بين أقل الأسواق تقلبا وتأثراً بالأزمات وأكثرها تماسكا في وجه الهزات وأسرعها تعافياً وأعلاها عائداً استثمارياً، الأمر الذي دفع بعدد من الشركات ذات الطابع العائلي للتحول إلى شركات مساهمة عامة، إما بطرح جزء من رأس المال لاكتتاب عام كشركات (السلام واستثمار القابضة وبلدنا)، أو الإدراج المباشر كشركات (أعمال وإزدان والمناعي) والتي تزيد قيمتها السوقية مجتمعة على 57 مليار ريال، ما يمثل 10% من الرسملة الكلية لبورصة قطر.
لقد شكَّل هذا التحول التاريخي للشركات العائلية في قطر نقطة فاصلة في مسيرتها وإضافة كبيرة للسوق المالي، وقدمت للجمهور ورأس المال فرصا واعدة من الخيارات الاستثمارية الآمنة والمجزية، ووفرت في وقت مضى السيولة اللازمة للمساهمين الرئيسيين ومساهمي الأقلية، كما عززت رأس المال بإمدادات مالية لتمويل الأنشطة والتوسعات، وحصّنت نفسها بجرعة أمان للاستمرار والثقة بالديمومة، حيث رفعت سقف الإيرادات التشغيلية وصافي الربح السنوي مانحةً منتجاتها وخدماتها سمعة محلية ودولية واسعة تبوأت على إثرها تصنيفاً ائتمانياً مرموقاً وبوابة عبور للتمويل الدولي، بالاستفادة من عوامل السوق وقوة الاقتصاد القطري.
كذلك فقد ساهم ضم الشركات المساهمة ذات الطابع العائلي إلى مؤشرات الأسواق العالمية الناشئة في انتشار ملكية أسهمها دولياً، والتعريف بعلاماتها التجارية والخدمات والسلع التي تقدمها، ووفرت تدفقات استثمارية معتبرة من صناديق عالمية مرموقة ما دفعها وغيرها من الشركات الأخرى إلى رفع نسبة التملك للمستثمر الأجنبي إلى ما لا يزيد على 49% من رأس المال، استنادا إلى القرارات ذات الصلة بقواعد الاستثمار لرأس المال غير القطري.
لا تزال الشركات العائلية في قطر والتي تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات المسجلة في الدولة في مرمى أهداف مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية لبورصة قطر لتحفيزها وتشجيع مجالس إدارتها على تعديل أنظمتها الأساسية والتحول إلى النمط العالمي الجديد (المساهمة العامة) وإمعان النظر في قائمة الإيجابيات الطويلة التي ستطالها الشركة نفسها ومساهموها والاقتصاد الوطني عموما من ذلك التحول، وفي مقدمتها إمكانية الشركة للحصول على التمويل اللازم لتوسيع أنشطتها وأعمالها عبر توسيع قاعدة المستثمرين، وزيادة فرص استمراريتها والتقليل من مخاطر اندثارها أو اختفائها من السوق بفعل تحديات تعاقب الأجيال، فضلا عن تقليص مخاطر الاعتماد على القروض المصرفية أو المساهمين الحاليين، والحصول على الإعلان المجاني للعلامة التجارية للشركة وأنشطتها عبر التغطية الإعلامية اليومية التي ترصدها وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية لأداء بورصة قطر، ما يعني جذباً إضافياً لمستثمرين وموردين جدد للشركة، وعدالة تسعير لسهم الشركة استنادا إلى قوى العرض والطلب والتفاعل مع الأخبار المتعلقة بأنشطتها وأدائها المالي.
تعمل الشركات المدرجة في بورصة قطر تحت مظلة إشرافية ورقابية دقيقة بالاستناد إلى قواعد الإفصاح والشفافية، وتوفر خيارات الاندماج بطرق أسهل وبقيمة سوقية عادلة وشفافة، ما يمنحها مزيدا من فرص التوسع الإقليمي والدولي ويسهّل عليها عمليات الامتلاك المحتملة.
وتجدر الإشارة إلى أن سهولة بيع وشراء الأسهم في السوق المالي تجعل الاستثمار في أسهم الشركات المدرجة أمراً مرناً وسلساً، وطريقا قصيراً للتسييل والحصول على الكاش في أسرع وأقرب وقت، فضلا عن أنها تمنح الموظفين برامج تحفيزية عبر خيارات شراء أسهم الشركة ما يجعل من الموظف مالكاً في الشركة، ويساعد على اجتذاب الموظفين المؤهلين والاحتفاظ بهم لفترات طويلة الأمد نظراً لتوحد الأهداف بين الموظفين والشركة.
في بورصة قطر تحرّك دائم على وقع تنشيط السوق الأولي وتحفيز الشركات العائلية للتحول إلى شركات مساهمة عامة، في وقت تعمل البورصة مع هيئة قطر للأسواق المالية على تبسيط وتسهيل إجراءات الاكتتاب والإدراج في السوق الثانوي بما يحقق الأهداف المرجوة لكامل أطراف العلاقة الاستثمارية.
تعتبر بورصة قطر نقطة مضيئة في تاريخ السوق المالي القطري ومنذ بدء البورصة نشاطاتها في عام 1997، شهدت العديد من التغييرات وكانت المحور المركزي للتطوير المستمر لأسواق رأس المال في دولة قطر.
واستطاعت البورصة أن تحقق العديد من الإنجازات في سعيها لأن تكون منصة لتنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة. وقد تنوعت هذه الإنجازات خلال الأعوام الماضية سواء على مستوى الأداء أو في مجال تحسين البنية التحتية أو في مجال المسؤولية الاجتماعية ونشر الثقافة الاستثمارية بين أفراد المجتمع أو في مجال تحسين الشفافية وتطوير علاقات المستثمرين وتطوير الإفصاح ونشر المعلومات وفقا لأفضل الممارسات الدولية، بالإضافة إلى تطوير المنتجات والخدمات التي تلبي مختلف التطلعات الاستثمارية.
وفي العام 2013، كانت بورصة قطر على موعد مع إنجاز كبير في تاريخها من خلال ترقيتها من قبل MSCI إلى مرتبة الأسواق الناشئة، اعتبارًا من مايو 2014. وكذلك، رفعت S P Dow Jones تصنيف بورصة قطر إلى مرتبة الأسواق الناشئة. كما شهد العام 2013 نجاحات كبيرة أخرى لبورصة قطر، مثل إدراج السندات والعضوية الكاملة في الاتحاد العالمي للبورصات وأصبح الرئيس التنفيذي لبورصة قطر عضوًا في مجلس إدارة الاتحاد العالمي للبورصات.
وفي العام 2015، تمت ترقية بورصة قطر من قبل FTSE إلى تصنيف سوق ناشئة، وشهد عام 2018 إنجازات كبيرة، حيث صنفت بورصة قطر كأفضل البورصات أداءً على مستوى العالم وقامت البورصة بإدراج أول صناديق الاستثمار المتداولة على مستوى قطر وأكبرها على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.