يشهد قطاع البيئة في دولة قطر نشاطاً مكثفاً وغير مسبوق يقوده سعادة الشيخ الدكتور فالح بن ناصر آل ثاني وزير البيئة والتغير المناخي، والذي يحرص على متابعة كافة المشاريع والأنشطة وتنفيذ الخطط بنفسه على أرض الواقع مع الفرق المختصة بمختلف أرجاء الدولة، وفي الآونة الأخيرة اهتمت الوزارة بشكل خاص بالبر والبحر القطري متمثلا في المحميات وعروضها وحياتها البحرية والبرية على حد سواء.
ولو ركزنا على المحميات الطبيعية نجد الوزارة تحرص على الاهتمام بتطويرها وصيانتها وتنميتها عبر توطين إكثار الحيوانات والطيور والكائنات البحرية لاسيما التي توشك على الانقراض منها ويذهب بنفسه ليعاين ويشرف ويشارك في إطلاق تلك الكائنات البرية والبحرية في المحميات، في وقت يتم فيه دعم مراكز إكثارها وعلاجها، وذلك يحدث على طريق تحقيق أهداف رؤية 2030 التى تعتبر البيئة واحدة من محاورها الرئيسية.
وفي الآونة الأخيرة في أعقاب الأمطار التي هطلت على كافة أرجاء الدولة نشرت الوزارة المفتشين في كافة الأرجاء وحظرت تماما دخول السيارات الى داخل الروض والمحميات حماية لها، وكانت حذرت الجمهور من قبل من مخاطر إشعال النيران تحت الأشجار أو دهسها، ولن تتهاون في تطبيق القانون، وذلك في وقت شهدت فيه المحميات أكبر عمليات صيانة وترميم وتطوير على مدار تاريخها. وربما لايعرف الكثير أن في محميات قطر ثروات بيئية وثقافية في منتهى الأهمية، من المهم أن نلقى الضوء على تلك المحميات من خلال دراسات رسمية موثقة أعدها خبراء البيئة بمشاركة منظمات دولية، ونختار منها محمية الريم.
منطقة محمية فريدة
بمشاركة من مكتب اليونسكو وتحت رئاسة نواف بن جبر النعيمي أعد فريق تابع لإدارة نظم المعلومات دراسة لصالح إدارة المحميات الطبيعية حول محمية الريم شارك فيها كل من طارق أبو الهوى الخبير الإستشاري، و د. سيد جمال بخاري الخبير البيئي.
ووفق الدراسة: تعد دولة قطر ضمن الدول التي تقع على أراضيها أكبر نسبة من المحميات الطبيعية. حيث تغطي المناطق المحمية 23% تقريبًا من مساحة قطر. وتشكل المناطق المحمية البحرية 2.6% تقريبًا من المياه الإقليمية لدولة قطر. وتبلغ مساحة محمية الريم للمحيط الحيوي نحو 10% من إجمالي مساحة اليابسة بدولة قطر .
وتشير الدراسة الى أن: محمية الريم للمحيط الحيوي تعتبر أهم المناطق المحمية في دولة قطر من حيث الابعاد المحلية والدولية حيث أنشأت المحمية بموجب القرار رقم ( 7 ) لسنة 2005 باعتبارها منطقة محمية ذات أهمية طبيعية فريدة وما يرافقها من قيم تاريخية وثقافية هامة .
وتستذكر الدراسة أنه: في عام 2007 تم إعلان محمية الريم محيط حيوي ضمن برنامج الانسان والمحيط الحيوي في اليونسكو لتكون المحمية الاولى والوحيدة ضمن هذا البرنامج في دولة قطر وواحدة من 30 محمية في 10 دول عربية وواحدة من محميتين للمحيط الحيوي في منطقة الخليج العربي .
الهدف العام للمحمية
ويرى الخبراء أن: الهدف العام من محمية المحيط الحيوي في الريم في: حماية النظم البيئية الرئيسية والقيم الثقافية المصاحبة والمحافظة عليها، وتمثيل الإرث الطبيعي لدولة قطر من خلال منهج تشاركي يعمل بدوره على تعزيز الحس الوطني بالملكية، وإنشاء مؤسسة لإدارة الموارد المستدامة، ودعم التوعية والتعليم، والمحافظة على حق الأجيال القادمة في الاستمتاع بالإرث الطبيعي والثقافي لبلدهم .
ووفق البيانات الرسمية: تشغل محمية الريم للمحيط الحيوي شمال غرب دولة قطر، وتغطي المحمية مساحة 1154 كيلومتر مربع، بما يقارب 10% من إجمالي مساحة اليابسة لدولة قطر. وتمتد عبر ثلاث بلديات الشمال، والخور والذخيرة، والشحانية. وتبعد المحمية نحو 80 كيلومترًا من الدوحة، ويمكن الوصول إليها من خلال طريق دخان السريع، وكذلك عبر طريق الشمال السريع. ومن القرى المهمة بالمحمية قرى زكريت، وخوزان، والسويحلية، والنعمان، والجميلية. وبالقرب من الطرف الشمالي للمحمية يقع حصن الزبارة الذي يعد أحد مواقع التراث العالمي للأمم المتحدة .
وتشير الدراسة الى أن إجمالي عدد السكان في محمية الريم للمحيط الحيوي نحو 3000 فرد، ويتوزعون عبر المستوطنات والقرى متفاوتة الأحجام. ويعد النشاط الاقتصادي والاجتماعي الرئيسي هو الزراعة ورعي الماشية وتتسم الزراعة بكونها شبه مكثفة وتوفر المزارع الخاصة مصدر رزق للملاك المحليين الذين يعملون على زراعة التمور والفاكهة والخضراوات والحبوب وبيعها. وتتم رعاية الماشية في المزارع والمراعي، التي تعرف محليًا باسم العزبة وبموجب القانون، يخضع الرعي لتنظيم شديد وبصفة خاصة، يجب أن تظل الجمال في حظائرها، على الرغم من رصد استثناءات.
وتكشف الدراسة أن الصيد من الأنشطة الشائعة في المحمية، ومع ذلك،لا يسمح إلا بصيد الصقور خلال موسم محدد ولعدد محدود من الصيادين، وكل عام يزور محمية الريم المئات من صيادي الصقور، خاصة خلال مواسم الهجرة في الخريف والربيع.
وحسب الدراسة، تعد مدينة الزبارة الساحلية المحاطة بالأسوار أحد أهم مراكز صيد اللؤلؤ والتجارة في منطقة الخليج العربي، وفي أوج قوتها وصلت علاقاتها التجارية إلى المحيط الهندي، وشبه الجزيرة العربية وغرب آسيا، وينظر لهذا الموقع الأثري اليوم من نواح عديدة باعتباره مهد قطر الحديثة. وتولت إدارة الآثار ترميم حصن الزبارة، الذي يقف اليوم مذكرًا بفخر بأهمية الميناء العتيق.
الحياة النباتية
ووفق الدراسة، تتنوع الحياة النباتية بمحمية الريم للمحيط الحيوي، حيث ينتشر أكثر من 85 نوعًا من النباتات، وهو العدد الأكبر بين المناطق من ذات الحجم بالمنطقة العربية. وتحتضن المحمية سبع أنواع من النباتات من ضمنها عدد كبير من الأنواع المهمة التي تتميز بالنباتات العصارية، والشجيرات القزمية، والأشجار الصغيرة. ونتيجة لطبيعة المناخ شديدة الحرارة والجفاف، يتسم الغطاء النباتي بكونه فقيرًا، ويختفي بالكلية في أغلب أوقات السنة بسبب الجفاف ونسبة الملوحة المرتفعة بالتربة.
وحسب الدراسة يهيمن على المحمية، الأنواع الرئيسية مثل أشجار السمر والعوسج، والهرم القطري، وخزامى البحر- القطف، والعكرش، والعناب الدائري - سدر، وشجر السلم. ثم الأنواع ذات الأهمية الثقافية مثل، الغاف، والأنواع الصالحة للأكل مثل، ثمار نبات العتر، وثمار نبات الحوة، وأنواع النباتات ذات الاستخدام العلاجي مثل، الذفراء( صنان التيس)، والجعيدة، والسنا، والإذخر المتغير( صخبر). والأنواع المرتبطة بالمؤشرات الإيكولوجية مثل، الرقروق (النبات المضيف لكمأة الصحراء العربية)، والأنواع الصالحة للأكل مثل، العرفج، والحلبة النجمية. والأنواع البرية الوراثية مثل، الحنظل.
وتشير الدراسة الى أن المحمية تعد موطنًا لغزال الريم والمها المعاد توطينه بالمنطقة، وكلا النوعين مهددان بالانقراض من الحياة البرية بشبه الجزيرة العربية. ومن بين الكائنات الحية بالبرية توجد السحالي شوكية الذيل، وثعبان الحفاث (غير سام، الكوبرا الزائفة)، والقنفذ الإثيوبي، والثعلب العربي الأحمر، وعدد من القوارض، بالإضافة إلى عشرات الأنواع من الطيور، ومنها الهدهد، والصرد الرمادي الجنوبي، بالإضافة إلى مجموعات متنوعة كبيرة من الطيور الراحلة التي تستخدم شبه الجزيرة العربية كمسار للهجرة ومحطة توقف.
أنواع الطيور
وتشير الدراسة الى أنه من ضمن الطيور العديدة التي تشغل المناظر الطبيعية أو تستخدمها في محمية المحيط الحيوي بلشون الصخر، والخرشنة بيضاء الخدود، والخرشنة الملجمة، والخرشنة السوندرزية، والخرشنة البنغالية، والخرشنة القزوينية، والنحام الكبير، والعقاب النساري، وصقر الغروب، وطائر الحبارى المعرض للانقراض. كما تأوى المحمية كذلك عددًا كبيرًا من طيور غراب البحر السقطري. وبالإضافة لذلك، تستضيف المياه التي تحيط بالمحمية سلاحف اللجأة صقرية المنقار المعرضة لخطر الانقراض، والأطوم المعرض بشدة للانقراض، والسلحفاة الخضراء المعرضة للانقراض، والسلحفاة البحرية ضخمة الرأس المعرضة للانقراض.
وفي معرض تقييمها للدراسة أشادت الدكتورة آنا باوليني مدير مكتب اليونيسكو بالدوحة، بجهود دولة قطر في حماية والمحافظة على بيئتها الطبيعة وذلك من خلال تسوير وحماية محمية الريم.
وأضافت أنه من اللافت للنظر والمهم جداً أن مساحة محمية الريم تبلغ 10% من مساحة دولة قطر ككل، وهذا يعد شيء عظيم مقارنه بالدول الأخرى. وأكدت على أهمية محمية الريم وما تحتويه من محيط حيوي من حيوانات ونباتات طبيعية نادرة هامة وجهود التي بذلتها الوزارة بالتعاون مع اليونيسكو للحفاظ على الثروات الطبيعية بالمحمية. وشددت على ضرورة الاهتمام بالمحميات الطبيعية بشكل عام وضرورة حمايتها من أي أضرار تتعرض لها.