مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، وبالرغم من انتشار الأسواق الشعبية التي تعرض الأضاحي من الماعز والأغنام بمحافظة شمال سيناء الحدودية، إلا إنها تواجه الكساد بسبب ارتفاع الأسعار، الذي يعزوه البعض إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واقتحام مدينة رفح الفلسطينية.
يقول سلامة حسن، في حديثه لـ -لوسيل- وهو تاجر أغنام من سكان بئر العبد بشمال سيناء، إن الحرب الإسرائيلية أثرت على حركة البيع والشراء بالمحافظة، وعملت على زيادة أسعار الحلال -الماعز والغنم- حيث أننا كتجار كنا نبتاع سلالات كثيرة من الأغنام التي تأتينا من تجار بالقطاع خاصة من مدينة رفح الفلسطينية.
وأضاف، بعد الحرب الدائرة حاليًا، يصعب علينا التواصل مع التجار الذين فقدوا منازلهم وهجروا منها، ما أثر على حركة البيع والشراء التي تنتعش في مثل هذا الوقت من كل عام -قبيل عيد الأضحى- وعملت على ارتفاع أسعار المعروض في الأسواق.
ويرى حميد أبو زقدان، أن التوتر الأمني في رفح الفلسطينية أثر على حركة البيع والشراء في أسواق الأغنام التي تشتهر بها محافظة شمال سيناء في هذا الوقت من كل عام حيث اقتراب عيد الأضحى المبارك، مؤكدًا أن المقيمين الفلسطينيين بالمحافظة يشترون الأضاحي من السوق المصري لهم ولعائلاتهم في غزة، والتي تصل إليهم داخل القطاع أوعند دخولهم الأراضي المصرية لزيارة أقاربهم وشراء الأضاحي من أسواق المحافظة.
ويقول محمود سليمان، من تجار الأغنام بمدينة العريش، إنه كل عام قبل عيد الأضحى بحوالي شهر يقوم بتجهيز أفضل رؤوس الأغنام من السلالات الغزيّة لعرضها بالسوق الشعبي بالمدينة، إلا أن هذا العام لم يجد إلا العزوف عن الشراء خاصة شراء السلالات الجيدة من حيث الوزن نظرًا لارتفاع أسعارها.
وأرجع محمود ارتفاع سعر الأضاحي من سلالات (الشامى والرحمانى والبرقى) والتي في العادة يتم شراء سلالاتها الأم من قطاع غزة خاصة مدينة رفح الحدودية، إلى استمرار الحرب الدائرة على القطاع منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث يعتمد التجار في شمال سيناء الآن على المتاح من الأغنام الموجودة من قبل.
أسعار الحبوب والأعلاف كذلك ارتفعت ولا أدري إذا كان السبب الحرب على غزة أم جشع التجار ، هكذا قال محمود سليم، الأمر الذي أدى لارتفاع أسعار الأغنام والماعز، حيث تراوح متوسط سعر الأغنام بين 5000 و8000 جنيها، وتراوحت أسعار الضأن ما بين 6500 و10000 جنيها، ويزيد السعر حسب النوع والوزن.
وأشار سليم إلى أن أهم أنواع الأضاحي التي يقبل الأهالي في شمال سيناء على شرائها هي الشامي و البلدي ، والتي يعرضها المربون الذين يحتفظون بها في مزارعهم في أنحاء سيناء كتجار، وكذلك أصحاب المنازل العادية، بأسعار تتراوح بين 230 جنيه مقابل 100 جنيه (العام الماضي) إلى 270 جنيه مقابل 110 (العام الماضي) للكيلو الواحد القائم، و200 جنيها للكيلو للإناث مقابل 90 جنيها (العام الماضي). وأشار إلى أن البعض يشتريها بالوزن بالأسعار، بينما تباع الأنواع الأخرى بالرأس وحسب الحجم والعمر.
وأكد إلى أن الأسعار لهذه الأنواع (الشامي والبلدي) تبدأ من 5000 جنيه للرأس وترتفع إلى 8000 جنيه، مقابل 3600 جنيه العام الماضي كحد أقصى، وغالبًا ما يبدأ سعر الأضحية المناسبة من 6000 جنيه وترتفع حسب السلالة والجنس.
خالد أبو عمير، تاجر أغنام، الذي ورث المهنة عن والده، ويهتم ببيع الخراف الشامية والقبرصية والبرقي، وهي السلالة الأكثر شعبية، في سوق العريش للأغنام، وهو مكان تجمع لكبار التجار والمربين العاديين قبل عيد الأضحى، حيث تكون المبيعات في أعلى مستوياتها في هذا الوقت كل عام، يقول انخفض الإقبال على الحلال في هذا الوقت على غير العادة، مرجعًا ذلك إلى الحرب الإسرائيلية على غزة لا سيما اقتحامها لمدينة رفح الحدودية من الجانب الفلسطيني.
مشيرًا إلى أن الأسعار ارتفعت بنسبة كبيرة عن العام الماضي وصلت إلى 60% أو مايزيد، بسبب نقص جلب التجار لأنواع رائجة من الأغنام والماعز، والتي كانوا ييجلبونها من تجار بقطاع غزة.
وعددَّ إسماعيل سلام التأثيرات السلبية للحرب الإسرائيلية الجارية بقطاع غزة على حركة البيع والشراء في أسواق الأضاحي بشمال سيناء في حديثه لـ -لوسيل- مؤكدًا أن الأحداث الجارية أثرت سلبًا على عمليات بيع الأضاحي التي تنشط في هذا الوقت كل عام، ما أدى لارتفاع سعرها حيث المعروض أقل من الطلب، ويحاول التجار الحفاظ على أسعار الأغنام لأنهم لن يستطيعوا شراء سلالات أخرى من قطاع غزة في الوقت الحالي خاصة الشامي وهي المعروفة بالوزن العالي وجودة اللحوم الممتازة ويقبل عليها المواطنون بكثرة كل عام.
ويضيف، أشهر أسواق الأغنام والماعز بالمحافظة هي سوق الخميس بالعريش، وسوق الشيخ زويد، وسوق بئر العبد، وسوق جلبانة وهي تجذب التجار من جميع أنحاء مصر والمواطنين الراغبين في شراء الأضاحي وحجزها لنحرها أول أيام العيد، لكن تلك الأسواق تشهد كساد غير عادي بسبب ارتفاع الأسعار، وعدم مقدرتنا كتجار من شراء سلالات من الجانب الفلسطيني (قطاع غزة) أو حتى بيع بعض الرؤوس للمواطنين هناك عن طريق أقاربهم أو تواجدهم بمصر للشراء في هذا الوقت من كل عام.
يؤكد ربيع أبو فرج، الذي يعمل في تجارة الأغنام والإبل، بمنطقة بئر العبد، أن بعض التجار قاموا بعرض بيع منتجاتهم بنظام التقسيط كوسيلة لتفادي تدهور تجارتهم في وقت يفترض أن تكون فيه منتعشة. بينما يبحث بعض الأشخاص عن خيارات أخرى لتفادي ارتفاع أسعار الأضاحي، حيث يتجه البعض نحو شراء ماعز صغيرة الحجم والوزن.
ويرى الباحث أمين الشاهر -باحث بكلية الثروة السمكية والإنتاج الحيواني بجامعة العريش-، أن المجترات الصغيرة من الماعز من أهم مصادر الإنتاج الحيواني في محافظة شمال سيناء، فهي المصدر الوحيد للفرو بالإضافة إلى إنتاج اللحوم والألبان. حيث بلغ عدد رؤوس الماعز 48.1 ألف رأس في شمال سيناء وحدها، وتقدر قيمتها النقدية بحوالي 31 مليون جنيه، وبلغت القيمة المضافة في قطاع تربية الماعز حوالي 12 مليون جنيه في عام 2022.
وبحسب دراسة أجراها الباحث بجامعة العريش، فإن أعداد الماعز في شمال سيناء بمصر، شهدت انخفاضًا كبيرًا من 196.3 ألف رأس ماعز في عام 2002 إلى 48.1 ألف رأس ماعز في عام 2024. مرجعًا ذلك إلى المتغيرات الاقتصادية والإنتاج والعوامل المؤثرة على الإنتاج، ووجد أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من العوامل الرئيسية التي أدت إلى انخفاض الإنتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار. ووجدت الدراسة أيضًا أن العائد على الاستثمار في تربية الماعز يبلغ 0.55، مع فترة استرداد تبلغ 1.3 سنة ومعدل عائد داخلي يبلغ 79%.
على الجانب الآخر قال الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام لـ -لوسيل- إن الحرب الإسرائيلية على غزة لم تقتصر تأثيراتها السلبية على أسواق محافظة الجوار (شمال سيناء)، بل امتدت للأسواق المصرية وأنشطة رئيسية به، فالحرب أثرت بشدة على إيرادات قناة السويس، أحد موارد مصر من النقد الأجنبي، خاصة مع اضطرابات البحر الأحمر واستهداف جماعة الحوثي السفن الإسرائيلية وسفن الدول الداعمة للاحتلال.
ويرى عبد السلام، أن زيادة القلاقل السياسية في منطقة الشرق الأوسط اثرت سلب على أنشطة اقتصادية رئيسية مثل السياحة المصرية والأردنية، وكان للحرب تأثيرات على السياحة في المدن المصرية الواقعة على سواحل البحر الأحمر مثل شرم الشيخ والغردقة، وتأثر السوق المحلي في محافظة شمال سيناء تبعًا للحالة الأمنية المتوترة في قطاع غزة، كما أثرت سلبًا أيضا على تدفق الاستثمارات الأجنبية لدول المنطقة ومنها مصر. كما امتدت التأثيرات لسوق الصرف والعملة المصرية، ورفعت سعر النفط والوقود، وهو ما مثل ضغطا إضافيٍا على الموازنة المصرية ومصادر النقد الأجنبي.