نمو متوقع لإيرادات القطاع بمعدل سنوي مركب 5.37 % حتى 2029

الصناعات الدوائية في قطر يفتح آفاقا واسعة للاستثمارات المحلية والأجنبية

لوسيل

الدوحة - لوسيل

شهد قطاع الصناعات الدوائية في قطر تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بزيادة الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، والمبادرات الاستراتيجية، وارتفاع الطلب على الأدوية المتخصصة. مما يفتح آفاقًا واسعة للاستثمارات المحلية والأجنبية للاستفادة من الفرص المتاحة في هذا القطاع الواعد.

ويتمتع سوق الأدوية في قطر بفرص نمو مرتبطة بتطور الرعاية الصحية، وزيادة الطلب على العلاجات المتخصصة، واستمرار الحاجة إلى الأدوية الأساسية والمزمنة.

ومن المتوقع استمرار نمو إيرادات القطاع بمعدل سنوي مركب يبلغ 5.37% حتى 2029، ليصل حجم إيرادات السوق إلى 591.50 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2029.

أما على الصعيد العالمي، فيسير سوق الأدوية في مسار تصاعدي، وذلك وفقًا لدراسة قطاعية حديثة أجرتها وكالة ترويج الاستثمار في قطر، وتوقعت الدراسة أن ينمو سوق الأدوية العالمي بنسبة 165.2% بين عامي 2020 و2030.

وإذا تحقق هذا المسار، فسيعكس توسعاً في النشاط الدوائي خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالطلب على العلاجات المتخصصة والأدوية المزمنة، إلى جانب تطور الخدمات الصحية.

وتعكس هذه الأرقام اتساع النشاط الدوائي في قطر، لكنها لا تمثل سلسلة إحصائية موحدة إذ لا يجوز مقارنة تقدير سوقي يشمل نطاقاً واسعاً من المنتجات مباشرةً مع تقدير يقتصر على فئات محددة من الأدوية.

أما على مستوى الاقتصاد الوطني، فإن الفرصة لا تقتصر على زيادة مبيعات الأدوية، بل تشمل تطوير التصنيع المحلي، وتعزيز الأمن الدوائي، وتحسين كفاءة التوزيع والتخزين، وتطوير الكفاءات الفنية والتنظيمية.

والتحدي الأساسي أمام القطاع هو تحويل نمو الطلب الدوائي إلى قيمة اقتصادية مستدامة، مع ضمان توافر الأدوية وجودتها والمحافظة على كفاءة الإنفاق الصحي.

إدخال تقنيات متقدمة

وتعمل الجهات الرسمية ذات العلاقة بالتصنيع الدوائي، وفي مقدمتها وزارة الصحة العامة، على إدخال تقنيات متقدمة تعزز طموح التحول إلى مركز إقليمي للصناعات الدوائية جاذب للمستثمرين، مع تحقيق ميزة جودة عالية وأمن دوائي يلبي كافة المواصفات الدولية.

وفي هذا السياق، تضطلع إدارة الصيدلة والرقابة الدوائية بوزارة الصحة بدور محوري في وضع السياسات الدوائية في الدولة، والمساهمة في تطوير الرعاية الصيدلية، إلى جانب مشاركتها في سن القوانين واللوائح المنظمة لمهنة الصيدلة، ووضع الضوابط المتعلقة بصرف واستيراد وتداول الأدوية.

كما تتولى نفس الإدارة مسؤولية تسجيل شركات ومصانع الأدوية، وإعداد السجلات الخاصة بها، والإشراف على تحديد أسعار الأدوية والتأكد من توافقها مع القوانين والمعايير المعتمدة، بما يضمن جودة المنتجات الدوائية وتوافرها بشكل آمن ومنضبط.

ويبرز دور الإدارة كذلك في التفتيش على الصيدليات العامة والخاصة، ومخازن ومصانع الأدوية، والتعاون مع الجهات المختصة في مكافحة الغش الدوائي، ويتم ذلك استنادا إلى الأطر التشريعية المعمول بها في الدولة. ومن أبرز مهامها في هذا القطاع: تنظيم عمل المنشآت الصيدلانية استنادا إلى القانون رقم (3) لسنة 1983 بتنظيم مهنة الصيدلة ووكلاء مصانع وشركات الأدوية، وتسجيل شركات الأدوية ومنتجاتها وفقا لأحكام القانون رقم (1) لسنة 1986 بشأن تسجيل شركات الأدوية ومنتجاتها.

وتقوم وزارة الصحة العامة ممثلة في إدارة الصيدلة والرقابة الدوائية هي المسؤولة عن الإشراف على التصنيع الدوائي ومراقبته كما تقوم الوزارة بترخيص مصانع الأدوية الوطنية والتأكد من ملاءمتها لأسس التصنيع الجيد، ومن ثم تسجيل المستحضرات لضمان جودتها وأمانها وفاعليتها، لتستمر عملية الإشراف والمراقبة عبر التفتيش الدوري على هذه المنشآت بغرض التحقق من الجودة، وكذلك لتجديد الترخيص ومنح شهادة التصنيع الجيد.

كما تتولى الوزارة أيضا وضع لوائح واضحة وشفافة ومستقرة لترخيص الأدوية، وضمان أن تكون هذه اللوائح مناسبة وداعمة للاستثمار والتنمية الصناعية. كما تعمل وزارة الصحة على التخطيط الإستراتيجي لتصنيع الأدوية من خلال عدد من الإجراءات الرئيسية، منها توفير بيانات موثوقة للطلب على المنتجات الدوائية (الطلب السابق والحالي والمتوقع) وتمكين مصنعي الأدوية من اتخاذ قراراتهم الإستراتيجية والاستثمارية، فضلا عن ضمان وجود عملية شراء شفافة وفعالة.

وتشجع وزارة الصحة على الصناعة الدوائية الوطنية وتدعمها تماشيا مع إستراتيجياتها الصحية، حيث تعطى المستحضرات المصنعة وطنيا أولوية قصوى في عملية التسجيل والتحليل والتسعير.

وتمتلك قطر في الوقت الراهن 3 مصانع دوائية محلية تعمل بالفعل، وهي تمثل ركيزة أساسية في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الدوائي.

ويعد مصنع قطر فارما للصناعات الدوائية (Qatar Pharma) من أبرز هذه المنشآت، حيث يختص بإنتاج المحاليل الوريدية المعقمة، ومحاليل الغسل الكلوي، إلى جانب المستحضرات الموضعية. كما يبرز مصنع قطر الحياة (Qatar Life Pharma) -الذي يختص بإنتاج الأشكال الصيدلانية الصلبة عن طريق الفم مثل الأقراص والكبسولات- إضافة إلى الأشكال الصيدلانية السائلة والمستحضرات الموضعية السائلة وشبه الصلبة.

الفرص الاستثمارية المتاحة

يمكن تحديد خمسة مسارات رئيسية للاستثمار في سوق الأدوية القطري

وتتوقف الجدوى الفعلية لكل مشروع على حجم الطلب القابل للتحقق، والمنافسة، وتكلفة التأسيس، وشروط التسجيل والتوريد، وقدرة الشركة على الوصول إلى العملاء.

كما ينبغي التمييز بين فرص الاستثمار في السوق المحلي وفرص استخدام قطر قاعدةً للتصدير إلى أسواق أخرى؛ فلكل منهما متطلبات مختلفة من حيث التكلفة والطاقة الإنتاجية والموافقات التنظيمية.

واردات الأدوية والسوق القطري

تشير بيانات واردة في تقرير Ken Research إلى أن قيمة واردات المنتجات الدوائية بلغت نحو 1.153 مليار دولار في عام 2024، مقابل نحو 936 مليون دولار في 2023، بزيادة تقارب 23%.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية اقتصادية لأسباب تتعلق بارتفاع قيمة الطلب الدوائي ويعكس اتساع احتياجات المؤسسات الصحية والمستهلكين، وإن كانت قيمة الواردات تتأثر أيضاً بالأسعار والمخزون وتوقيت الشحنات.

كما ترتبط استمرارية الإمدادات بقدرة الشركات العالمية والموزعين المحليين على توفير الأدوية و يفتح الاعتماد على الاستيراد المجال أمام استثمارات تستهدف إنتاج بعض الأدوية محلياً.

كما تبرز أهمية التخطيط المسبق لتجنب النقص في الأدوية الأساسية وتقلبات سلاسل التوريد.

يؤدي تطور البنية التحتية الصحية إلى زيادة الاحتياجات الدوائية للمستشفيات والمراكز الطبية، خصوصاً مع توسع الخدمات التخصصية، وتطوير وسائل التشخيص والعلاج.

كما أن ارتفاع الطلب على الخدمات الطبية المتقدمة يدعم احتياجات المؤسسات الصحية إلى أدوية أكثر تخصصاً، بما فيها العلاجات البيولوجية والأدوية المستخدمة في علاج الأمراض المعقدة.

ارتفاع الطلب على أدوية الأمراض المزمنة

تمثل أدوية الأمراض المزمنة أحد المحركات الرئيسية للطلب الدوائي، ومن أبرز الفئات أدوية السكري و ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية. والسرطان والأورام بالإضافة إلى أدوية الأمراض التنفسية وأمراض المناعة.

وأدوية الأمراض المزمنة التي تتطلب علاجاً مستمراً.

وتتميز هذه الفئات بأن جزءاً من الطلب عليها يتكرر بانتظام، ما يساعد الشركات على التخطيط للمبيعات والتوريد على المدى المتوسط والطويل.

التوسع في العلاجات المتخصصة

تتجه الأسواق الدوائية الحديثة إلى زيادة الاعتماد على العلاجات المتقدمة، بما في ذلك الأدوية البيولوجية والعلاجات الموجهة لبعض أنواع السرطان والأمراض النادرة.

وتشير تقارير السوق إلى أن هذه المنتجات تمثل إحدى فرص النمو في قطر، نظراً إلى ارتفاع قيمتها العلاجية والاقتصادية مقارنة بالعديد من الأدوية التقليدية.

ومع ذلك، فإن ارتفاع قيمة هذه الأدوية لا يعني بالضرورة ارتفاع هامش الربح لكل شركة؛ إذ تتأثر النتائج بتكاليف الشراء والتسجيل والتوزيع وسياسات التسعير والتغطية التأمينية.

تطوير الصناعات البيولوجية

يمثل هذا المجال فرصة استراتيجية، لكنه يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتقنيات المتخصصة والكوادر العلمية والرقابة النوعية.

وتشير تقارير القطاع إلى وجود مبادرات وشراكات تستهدف تطوير القدرات الدوائية والبيولوجية في قطر، لكن نجاحها التجاري يعتمد على تنفيذ المشروعات والوصول إلى مستويات إنتاج تنافسية.

ومن الناحية الاقتصادية، لا يُقاس نجاح التصنيع المحلي بمجرد افتتاح مصنع، بل بقدرته على إنتاج أدوية مطابقة للمعايير، وتوفيرها بأسعار تنافسية، وضمان استمرارية الإنتاج، وتحقيق عائد استثماري مستدام.

التحديات التي تواجه سوق الأدوية

على الرغم من فرص النمو، يواجه القطاع عدداً من التحديات التي ينبغي أخذها في الاعتبار من أبرزها الاعتماد على الاستيراد حيث تظل سلاسل التوريد الخارجية عاملاً مؤثراً في توافر المنتجات وأسعارها، خصوصاً عندما تكون الأدوية معتمدة على مورد واحد أو عدد محدود من المصنعين.

كما قد تؤدي زيادة الاعتماد على العلاجات المبتكرة والبيولوجية إلى ارتفاع الإنفاق الدوائي، بالإضافة إلى تنافس الشركات على العقود المؤسسية، وإدراج الأدوية ضمن قوائم المستشفيات، والوصول إلى الصيدليات والمراكز الطبية.ولا تعتمد المنافسة على السعر وحده، بل تشمل الجودة، واستمرارية التوريد، والأدلة السريرية، والخدمات الداعمة.

متطلبات التسجيل والرقابة

تتطلب ممارسة النشاط الدوائي الالتزام بالاشتراطات التنظيمية ذات الصلة بتسجيل المنتجات، والتسعير، والتخزين، والتوزيع، ومراقبة الجودة.

وتؤدي هذه المتطلبات دوراً أساسياً في حماية المرضى وضمان سلامة المنتجات، لكنها تتطلب من الشركات خبرات تنظيمية واستثمارات تشغيلية مناسبة.