دراسة للمركز الإحصائي الخليجي تكشف:

النمو السكاني في دول مجلس التعاون ثمرة التنوع الاقتصادي واستدامة التنمية

لوسيل

قنا - لوسيل

كشف أحدث إصدار للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عن استمرار النمو السكاني بوتيرة متصاعدة، حيث ارتفع عدد سكان دول المجلس إلى نحو 62.8 مليون نسمة في عام 2025، بزيادة بلغت 6.2 مليون نسمة مقارنة بعام 2022 بنحو 56.6 مليون نسمة، وبمتوسط نمو سنوي قدره 3.5 بالمائة، في مؤشر يعكس حيوية الاقتصادات الخليجية، وجاذبية أسواق العمل، واستمرار الزخم التنموي الذي تشهده دول المجلس.

وكانت البيانات الرسمية السابقة للمجلس، قد سجلت ارتفاع عدد سكان دول مجلس التعاون من 56.6 مليون نسمة في عام 2022، إلى 59.1 مليون نسمة في عام 2023، ثم إلى 61.5 مليون نسمة في عام 2024، ليصل بصورة إلى 62.8 مليون نسمة خلال عام 2025، وهو ما يعكس اتجاها تصاعديا مستقرا في النمو السكاني على مستوى المنطقة عاما بعد عام.

وتشير الأرقام إلى اتساع القاعدة السكانية لدول مجلس التعاون، بالتوازي مع استمرار تنفيذ الخطط الوطنية للتنويع الاقتصادي، وزيادة الاستثمارات في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والصناعة، والخدمات، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، الأمر الذي أسهم في تعزيز جاذبية أسواق العمل الخليجية واستقطاب المزيد من الكفاءات والعمالة من مختلف دول العالم.

أهم المؤشرات الاقتصادية

ويرى مختصون أن النمو السكاني في دول المجلس لا يمثل مجرد زيادة عددية، وإنما يعد أحد أهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبط مباشرة بحجم النشاط الاقتصادي، واتساع الأسواق المحلية، وارتفاع الطلب على السلع والخدمات، فضلا عن انعكاساته على التخطيط الحضري، والإسكان، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والأمن الغذائي، وغيرها من القطاعات الحيوية.

ويأتي هذا النمو في وقت تمضي فيه دول مجلس التعاون قدما في تنفيذ رؤاها الوطنية طويلة المدى، التي تركز على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، وتطوير رأس المال البشري، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

وفي ذات الوقت، فإن هذه المؤشرات السكانية، تعكس كذلك المكانة الاقتصادية التي باتت تحتلها دول الخليج على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل استمرارها في تنفيذ مشاريع تنموية كبرى، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وإطلاق مناطق اقتصادية وصناعية ولوجستية جديدة، فضلا عن استضافة العديد من الفعاليات والمعارض والمؤتمرات العالمية، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على الكوادر البشرية في مختلف القطاعات.

ويتوقع خبراء اقتصاديون، أن تسهم الزيادة السكانية في تعزيز القوة الشرائية داخل الأسواق الخليجية، ورفع معدلات الاستهلاك، وزيادة حجم الطلب على المنتجات والخدمات، بما يدعم نشاط القطاع الخاص، ويحفز الاستثمار في قطاعات التجزئة، والعقار، والخدمات المالية، والتقنية، والصناعات التحويلية.

وفي المقابل، تفرض هذه الزيادة تحديات تتعلق بتوفير فرص العمل، وتوسيع شبكات النقل والمواصلات، وتعزيز منظومات التعليم والرعاية الصحية، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وهو ما تعمل دول المجلس على معالجته من خلال استراتيجيات وطنية ترتكز على الابتكار والتحول الرقمي والاستدامة البيئية.

وتشير تقارير التنمية الدولية، إلى أن دول مجلس التعاون تعد من أكثر مناطق العالم استقطابا للعمالة الوافدة، نتيجة لما تتمتع به من استقرار اقتصادي، ومستويات معيشية مرتفعة، وفرص استثمارية متنوعة، الأمر الذي جعلها من أسرع المناطق نموا من حيث عدد السكان خلال السنوات الأخيرة.

قوة اقتصادية داعمة

ويؤكد مختصون، أن استمرار النمو السكاني يمثل عاملا إيجابيا إذا ترافق مع زيادة الإنتاجية، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة سوق العمل، بما يسهم في تحويل الزيادة السكانية إلى قوة اقتصادية داعمة لمسيرة التنمية.

وقال السيد إبراهيم حمد المهندي مدير إدارة الإحصاءات الاجتماعية والبيئية بالمجلس الوطني للتخطيط إن الأرقام الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تشكل مؤشرا مهما على استمرار الزخم الديموغرافي والاقتصادي في المنطقة، ويعكس حجم النشاط الاقتصادي والاستثماري والطلب المستمر على القوى العاملة في دول المجلس.

وقال: إن هذه المواءمة الإحصائية توفر قاعدة مهمة لدعم السياسات والبرامج الخليجية المشتركة، بما في ذلك السوق الخليجية المشتركة، والاتحاد الجمركي، والتنسيق في مجالات التأمينات الاجتماعية، بالإضافة إلى التخطيط لمشروعات البنية التحتية الإقليمية في قطاعات الطاقة والمياه والنقل، والتي تعتمد جميعها على بيانات سكانية وعمالية متسقة لتقدير الاحتياجات المستقبلية بصورة دقيقة، كما توفر المنهجيات الموحدة أساساً مشتركاً للتخطيط طويل الأجل في قضايا استراتيجية مثل الأمن الغذائي، والأمن المائي، والطلب على الطاقة، والتوسع في الخدمات الصحية، وهي قضايا تتطلب فهماً إقليمياً متكاملاً للاتجاهات الديموغرافية والتنموية.

ولفت المهندي، إلى أنه ومن منظور السياسات العامة، فإن دولة قطر تركز على ضمان أن يكون النمو السكاني ونمو القوى العاملة مستداما ومنتجا ومتوافقا مع أولويات الدولة طويلة المدى، ويشمل ذلك تنمية الكفاءات الوطنية، واستقطاب المهارات المتخصصة، وتعزيز الإنتاجية، وضمان مواكبة النمو السكاني للتوسع في خدمات الإسكان والصحة والتعليم والنقل وغيرها من الخدمات العامة، كما أن التوجهات تتوافق مع أهداف استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة 2024-2030، لا سيما فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي المستدام، وبناء قوة عاملة جاهزة للمستقبل، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي.

ونوه، إلى أن المؤشرات السكانية الأخيرة تعني لدولة قطر، استمرار النمو المدفوع بتوسع النشاط الاقتصادي، واستمرار المشاريع التنموية والبنية التحتية والطلب على الكفاءات والمهارات المختلفة، وهي عوامل تتوافق مع الاتجاهات العامة التي تشهدها دول مجلس التعاون، كما أن هذه المؤشرات تعكس استمرار جاذبية الاقتصاد القطري وقدرته على استقطاب الموارد البشرية اللازمة لدعم خطط التنمية الوطنية.

من جانبه، قال الدكتور عبد الله الخاطر الخبير الاقتصادي، إن القدرات الكبيرة التي يتمتع بها الاقتصاد في دولة قطر، وبفضل البنية التحتية المتطورة التي سبقت كأس العالم في العام 2022، تمكنه من القدرة على الاستيعاب والتوسع الكبير، مما أضاف ميزات اقتصادية متقدمة دعمت وبشكل كبير عامل التنوع الاقتصادي في جوانب مختلفة، إذا كان ذلك في قطاع السياحة والضيافة الفندقية الراقية وأماكن الترفيه، أو في الجانب الإعلامي، أو الجانب الرياضي المتنوع، وهو ما يتطلب أيدي عاملة مهنية وماهرة وعقول تدير هذه المرافق المتطورة وتقدم أفضل الخدمات.

ورأى الخاطر، أن النموذج الاقتصادي القطري قدم تجربة رائدة سبقت هذه المرحلة بإيجاد قدرات استيعابية واستثمارية كبيرة في الاقتصاد الهيكلي والبنيوي للدولة، وهذه الجوانب عادة ما تأخذ فترة طويلة من أعمار الدول والشعوب، وفي هذا المضمار، فإن دولة قطر قد حققت معدلات نمو عالية متقدمة على مستوى دول الخليج، وأضحت الأكثر استعدادا في تقديم نماذج متطورة في مجالات الاقتصاد الخدمي في قطاعات، الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات والكهرباء وخطوط الطيران والمطارات وغيرها، مما ضاعف الطلب في هذه المجالات وجعلها أكثر استعدادا لتقديم المزيد لأي أعداد استيعابية إضافية.

وخلص الدكتور عبد الله الخاطر إلى القول: إن من الميزات الاقتصادية التفضيلية للاقتصاد الخليجي، في ضوء معدلات النمو التي أظهرتها المؤشرات السكانية الأخيرة، نمو الحجم الاقتصادي، وعادة ما يكون ذلك أحد الأصول المهمة على مستوى الاقتصاد العالمي، وهو ما يمنح الاقتصاد الخليجي شروطا أفضل على المستوى الدولي، من حيث تدفق الخدمات والمنتجات بشكل أفضل وأقل كلفة، كما أن حجم الاقتصاد الكلي النامي قد منح دول الخليج قدرة مرنة على التفاوض بشروط مميزة على أساس الطلب العالي للأسواق الخليجية من السوق العالمي، مما ارتقى بالقيمة التنافسية للأسواق الخليجية ووفر لها مكانة خاصة على مستوى الاقتصاد العالمي.