قال الخبير الاقتصادي العراقي صباح نعوش، إن ديون البحرين ستصل إلى 9886 مليون ريال أي 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن فوائد الديون ستصل إلى 477 مليون دينار. وأضاف أن البحرين بالغت في تقدير أسعار النفط بالنسبة لميزانيتها العامة، مشيرًا إلى أن تقديرات العوائد في الميزانية الحالية على سعر 55 دولارا للبرميل في حين أن توازن الميزانية يستوجب أن يصل السعر إلى 119 دولارا.
وأكد نعوش، بحسب موقع الجزيرة نت أن العجز في ميزانية البحرين لا يأتي من هبوط إيرادات النفط والغاز الطبيعي فحسب، بل كذلك من تصاعد الإنفاق العسكري والأمني وتزايد فوائد الديون العامة وفشل السياسة المالية المتبعة.
عجز متواصل
وارتفع عجز الميزانية العامة في البحرين من 455.1 مليون دينار بحريني (الدينار البحريني يعادل 2.65 دولار) أي 3.5% الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 إلى 1517.3 مليون دينار، أي 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015. ثم استمر بالارتفاع إلى 1634.5 مليون دينار، أي 13.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016.
وحذر نعوش من بقاء العجز المالي مرتفعا وتشكيله خطرا على جميع المؤشرات الاقتصادية، رغم التفاؤل غير المبرر بتحسن إيرادات النفط، الذي تعتمد عليه إيرادات البحرين بالدرجة الأولى، والغاز الطبيعي للعام الجاري، مشيرًا إلى أن المؤشرات تدل على استقرار أسعار النفط خلال السنوات القادمة في حدود الخمسين دولارًا.
مضيفًا كما أنه لا علاقة لهذه الأسعار بالسياسة المالية بل بأحوال السوق العالمية. وبالتالي لا يمكن إعادة التوازن إلى الميزانية العامة من زاوية الإيرادات إلا عن طريق التأثير على الإيرادات غير النفطية والغازية .
ورغم ارتفاع الإيرادات غير النفطية عن طريق الرسوم الجمركية على الواردات والرسوم الإدارية لكثير من الخدمات، لكنها لا ترقى لمقابلة ضخامة العجز المالي، مما يتطلب الاتجاه نحو تقليص الإنفاق العام.
وتحتل المرتبات المرتبة الأولى في نفقات الدولة، تليها المصروفات التحويلية ثم مستحقات فوائد الديون فالإعانات الاجتماعية.
وفي مناسبات عديدة صرح المسؤولون بعدم رغبتهم في تقليص مرتبات المواطنين، لذلك لم تنخفض المصروفات، في حين تقلصت النفقات التحويلية.
وعلى سبيل المثال انخفض الدعم المقرر للحوم والبنزين، غير أن الارتفاع المستمر لفوائد الديون العامة امتص هذا الانخفاض.
بالنتيجة النهائية باتت النفقات العامة الكلية ترتفع سنويا بدلا من أن يحدث العكس.
الاقتراض بدل التقليص
الخبير العراقي أوضح أن السياسة المالية البحرينية تفضل الاقتراض، وبالتالي المديونية بدلا من تقليص الإنفاق العام الذي يثير نقمة الشعب.
وحول ما يبدو تراجعًا في عجز الميزانية العامة للبحرين هذا العام عن العام السابق، قال صباح نعوش إن حجم العجز المالي يتوقف على صحة التقديرات خاصة أسعار النفط. وإن كل دولار في سعر النفط يقود إلى ارتفاع أو انخفاض العجز المالي البحريني بمبلغ 31.3 مليون دينار في السنة. أي كلما هبط السعر الفعلي مقارنة بالسعر التقديري ازدادت المديونية، وهذا ما يحدث فعلا في البحرين.
هنالك إذًا مبالغة في تقدير أسعار النفط في البحرين، وهذا ما يفسر الاختلاف الكبير بين أرقام التقديرات والأرقام الفعلية. وقد يصل الخطأ في التقدير إلى أكثر من 18%، وهي نسبة عالية .
في عام 2016 قدرت عوائد النفط والغاز الطبيعي بمبلغ 1757.7 مليون دينار، في حين تبين أن العوائد الفعلية 1436.4 مليون دينار.
وكذلك بالنظر لتزايد المصروفات العسكرية والأمنية سوف يتجه العجز المالي نحو الارتفاع للعام الجاري فترتفع الديون مجددا.
الإنفاق العسكري
تخصص البحرين مبالغ طائلة للإنفاق العسكري مقارنة بقدرتها الاقتصادية وإمكاناتها المالية، وارتفاع هذا الإنفاق ليس جديدا. ففي عام 1988 بلغ حجم الإنفاق العسكري 299 مليون دولار أي 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي و21.3% من الإنفاق العام.
ثم ارتفع ليصل إلى 1386 مليون دولار في عام 2016 أي 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي و14.6% من الإنفاق العام، وهذه النسبة تعادل تقريبا ضعف المعدل العالمي.
وكشف نعوش هذه المبالغ التي ينشرها معهد أستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تقتصر على وزارة الدفاع. في حين أن هنالك نفقات أخرى ذات طبيعة عسكرية وأمنية، وعلى هذا الأساس ينبغي إضافة نفقات وزارة الداخلية (أو على الأقل القسط الأكبر منها) وكذلك مصروفات جهاز الأمن الوطني ومخصصات الحرس الوطني .
وبالتالي يصبح مجموع الإنفاق العسكري والأمني في البحرين 2451 مليون دولار أي 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي و26.1% من الإنفاق العام.
إن تقليص المخصصات العسكرية والأمنية إلى النصف أمر ضروري ويحقق مكاسب مالية جمة، إذ ستتوقف الدولة عن الاقتراض، وأيضا ستستطيع سداد فوائد الديون الداخلية والخارجية من المبلغ المقتصد.
إن أي خفض للإنفاق العسكري والأمني حتى وإن كان ضئيلا يقود بالضرورة إلى نتائج مالية وتجارية إيجابية، لكن تقليص هذا الإنفاق غير ممكن مع الصراعات الداخلية والاعتبارات الإقليمية.
نتيجة العجز المالي وكذلك اختلال الميزان الجاري بما فيه الميزان التجاري سجلت الديون العامة الداخلية والخارجية ارتفاعا كبيرا وسريعا، وأدى ذلك إلى تزايد الفوائد المترتبة عليها.
ففي عام 2010 بلغ حجم الديون 2872 مليون دينار أي 29.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي نهاية العام الجاري ستصل الديون إلى 9886 مليون دينار أي 90.0% من الناتج المحلي الإجمالي.
وخلال هذه الفترة انتقلت فوائد الديون من 91 مليون دينار أي 3.4% من النفقات العامة إلى 477 مليون دينار أي 35.7% من النفقات العامة.
وأفضى هذا الوضع إلى نتائج اقتصادية وخيمة، فقد هبط الاحتياطي النقدي، وارتفعت أسعار الفائدة على القروض المحلية، وتراجع النمو، وخفضت الوكالات المتخصصة التصنيف الائتماني للبحرين. أما الجهود الحكومية للتصدي لهذه اللازمة فلا تزال ضعيفة.
برنامج غير مناسب
لمعالجة عجز الميزانية العامة ارتكز برنامج عمل الحكومة 2015-2018 الصادر عن رئاسة الوزراء على ثلاث نقاط:
النقطة الأولى:
إدراج أرباح شركة ممتلكات القابضة، فمنذ تأسيس هذه الشركة (صندوق سيادي بحريني) في عام 2006 وحتى العام المنصرم لم تستفد الميزانية العامة من أرباحها لأنها كانت تغطي خسائر بعض المؤسسات الحكومية والتابعة لـ ممتلكات كشركة طيران الخليج.
واعتبارا من السنة المالية الحالية دمجت أرباح ممتلكات في الميزانية العامة. وتفيد بيانات مجلس النواب أن الأرباح المدرجة في الميزانية العامة الحالية تبلغ عشرة ملايين دينار، ولا يغطي هذا المبلغ سوى 0.7% من العجز المالي.
النقطة الثانية:
تخفيض المصروفات المتكررة للوزارات، في حين لم يحدث هذا التخفيض إطلاقا ، بحسب نعوش.
وستصل هذه النفقات إلى 3249.9 مليون دينار في عام 2017 أي بزيادة قدرها 128.2 مليون دينار مقارنة بالعام السابق، وسترتفع في العام القادم بمبلغ 107.5 ملايين دينار.
النقطة الثالثة:
تحسين حصيلة الرسوم، وينص البرنامج على ما يلي تعديل الرسوم لبعض الخدمات الحكومية بما لا يؤثر على القدرة التنافسية لمملكة البحرين لجذب الاستثمارات على ألا يتحمل المواطن أي أعباء جراء هذه التعديلات .
ويقول الخبير الاقتصادي العراقي إن هذا إجراء غير منطقي، متسائلًا كيف يمكن زيادة الحصيلة من دون أن يتحملها المواطن أو المستثمر الأجنبي. اللهم إلا إذا تحمل الأجانب هذه الزيادة، وهذا توزيع غير عادل للأعباء العامة.
وعلى الصعيد العملي بلغت حصيلة الرسوم والضرائب 237.5 مليون دينار في عام 2016، وهي ترتفع سنويا، لكن هذه الحصيلة لا تمثل سوى 12.5% من إيرادات الدولة.
وخلص الخبير الاقتصادي العراقي صباح نعوش إلى أن عدم فاعلية الإجراءات المتخذة لمعالجة العجز المالي ناجم عن غياب الإرادة السياسية في تقليص الإنفاق العسكري والأمني، وفي رفض أي مساهمة حقيقية للمواطنين في تحمل الأعباء المالية للبلاد.
موديز تخفض التصنيف
وكانت وكالة التصنيف الائتماني العالمية موديز قامت نهاية شهر يوليو 2017 بتخفيض تصنيفها الائتماني للمملكة من Ba2 الذي يشير إلى درجة غير استثمارية ليصبح B1 الذي يفيد بأن اقتصاد المملكة أصبح يحمل مخاطر استثمارية عالية، مع تشديد الوكالة على أن النظرة المستقبلية لمملكة البحرين تبقى سلبية. وأرجعت الوكالة تخفيض تصنيف البحرين إلى أن العجز الحكومي سيواصل تراجعه الحاد خلال السنوات المقبلة في ظل المشاكل والمصاعب التي تواجه المالية العامة للدولة وارتفاع المصاريف على حساب الإيرادات وتوسع فجوة الدين العام.
وأشار مصرف البحرين المركزي إلى أن دين المملكة قفز بنحو 8.95 مليار دينار أي ما يعادل 23.7 مليار دولار في مارس2017 من 7.3 مليار دينار، أي ما يعادل 19.3 مليار دولار في نهاية الربع الأول من العام الماضي، بنسبة نمو تساوي 23% على أساس سنوي، ومن المتوقع أن يقفز الدين العام لمملكة البحرين خلال الأشهر المقبلة إلى مستويات أعلى من ذلك، خاصة بعد أن تم إقرار الميزانية العامة للبحرين للعام الجاري والمقبل بعجز يصل إلى نحو 6.7 مليار دولار أمريكي.
ووفقا لذات البيانات فإن إجمالي الدين العام في مملكة البحرين يوازي 76% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي والمقدر بنحو 31 مليار دولار، ما يعادل 11.7 مليار دينار بحريني، في حين تمت مناقشة رفع نسبة الدين العام إلى 100% مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي لمملكة البحرين، والذي يعتبر أعلى مستوى للدين في تاريخ مملكة البحرين. كما تمت التوصية عند مناقشة ميزانية مملكة البحرين بضرورة الأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى تمويل عجز الميزانية العامة للعام 2017-2018 من جهة، واهتمام الحكومة بإدارة الدين العام والمحاولة في إيجاد برنامج توازن مالي يهدف إلى تقليل مستويات الدين العام إلى ما دون ذلك بهدف تقليص الضغوطات، التي قد تعجل من وتيرة تهاوي صرح الاقتصاد البحريني، وتدخله إلى بوتقة العجز والدين الخارجي، خاصة مع ضعف إيرادات النفط مقارنة بباقي دول الخليج، حيث تنتج البحرين يوميا نحو 200 ألف برميل نفط، فيما يقول الخبراء إن البحرين بحاجة إلى الوصول بسعر البرميل إلى 100 دولار للبرميل لسد العجز في الموازنة.