سياسة البنوك قائمة على تدوير الديون
رغم التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم عام 2008 وآثارها السلبية على الاقتصاد الدولي لم تصل نتائجها بعد إلى كثير من الدول التي لم تستفد من التجربة أو تتعلم من الدروس المستفادة منها، فلا تزال تداعيات الأزمة وآثارها السلبية تتداعى على الاقتصادات الدولية.
وقد فشلت حكومات دول كثيرة منها الولايات المتحدة الأمريكية في تجنب أخطار الماضي، وأصبحت معرضة لمزيد من المشاكل الاقتصادية، وهو الأمر الذي انسحب على كثير من بلدان العالم المتقدم منها والساعي إلى التقدم.
وحول تلك المشكلة عرضت المؤلفة رانا فوروهار، وهي صحفية وباحثة أمريكية تلك الأزمات في كتاب حمل عنوان صعود التمويل وهبوط الشركات الأمريكية .
تقول المؤلفة إنه وبعد ثماني سنوات من أكبر انهيار اقتصادي منذ الكساد العظيم لم يتعلم أحد بعد الدروس المستفادة من أزمة عام 2008، بينما لا يزال النظام الاقتصادي العالمي عرضة لأزمة أخرى أكثر من أي وقت مضى. وأكدت أن الحكومة الأمريكية قد فشلت في إصلاح النظام البنكي بعد أزمة القروض العقارية، لكن القليل يعرفون كيف تسربت هذه الممارسات والفلسفات المالية الخاطئة التي أطاحت تقريبا بالنظام المالي العالمي لتغزو كل الشركات الأمريكية، مما يضعنا على حافة انهيار اقتصادي كارثي آخر.
قامت الكاتبة رانا فوروهار -مساعدة مديرة التحرير في مجلة التايمز- بالاعتماد على الأخبار والمقابلات الشخصية التي قامت بها مع كبار الشخصيات في بورصة وول ستريت وفي العاصمة واشنطن، بإظهار تحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى المضاربة المالية التي حولت التمويل وطريقته في التفكير إلى حاكم متسلط بشكل يؤكد سيطرة رجال الأعمال في وول ستريت على المواطنين في الشوارع، ويزيد من الفجوة بين الفقراء والأغنياء، كما يهدد مستقبل الاقتصاد الأمريكي.
وترى المؤلفة أن الساسة الأمريكيين ينشغلون بتفاصيل تنظيم عمل البنوك الكبيرة التي يخشى من سقوطها، إلا أن المشكلات في نظام السوق الأمريكي أعم وأكثر عمقا من ذلك. وقالت إنه بسبب 40 عاما من التغيير في السياسات والقرارات الخاطئة، يصب 15% فقط من الأموال التي توجد في النظام السوقي في الاقتصاد الحقيقي، بينما تظل البقية في الدائرة المغلقة للتمويل نفسه ويأخذ القطاع المالي 25% من كل أرباح الشركات في البلاد، بينما يقدم القطاع المالي 4% من الوظائف في البلاد.
ولا يزال قانون الضرائب يفضل الدين عن حقوق المساهمين، مما يسهل على الشركات تخزين الأموال خارج البلاد، بدلا من استثمارها في الداخل الأمريكي.
كما تقوم أكبر الشركات الأمريكية وأعلاها ربحية في استثمار الأموال في شراء المزيد من الأسهم، بدلا من استثمارها في البحث والابتكار.
ولا تزال كذلك كثير من اللوائح المالية التي وُعد بها بعد الانهيار الاقتصادي في عام 2008 يتم تمريرها، وذلك بفعل العلاقة الجيدة بين التشريعيين وأكثر المقرضين ثراءً في الولايات المتحدة.
وتوضح فوروهار من خلال استكشاف هذه القوى التي دفعت الشركات الأمريكية إلى تفضيل العبث بالميزانيات على إظهار الحقيقة والسعي للأرباح قصيرة الأمد على خلق المزيد من الوظائف الأثر الخطير للمضاربة المالية على المجتمع، وأهمية تغيير هذا التوجه للصالح العام.
وقد قامت الكاتبة باستعراض قصص من الصناع و السالبين أو الشركات والممولين في محاولة لتوضيح كيفية تغيير هذا النظام، للوصول إلى مستقبل اقتصادي أكثر استدامة وأكثر تشاركية.
وتسوق الكاتبة على سبيل المثال قصة ارتفاع سعر علبة الكوكاكولا سنتات قليلة منذ ثلاث سنوات. وتسأل عن المتورطين في هذا الأمر. وتقول إنهم المصرفيون الحاذقون في بنك جولدمان ساكس. فحسب لجنة من مجلس الشيوخ الأمريكي، قام هؤلاء المصرفيون بالتلاعب بسوق الألمنيوم العالمي، من خلال تخزين عشرات الآلاف من الأطنان من المعدن في مدينة ديترويت الأمريكية، مما أخّر تسليم المعدن إلى العملاء من أمثال كوكاكولا. واستطاع البنك رفع أسعار المعروض من المعدن، ليربح بضع مليارات من الدولارات نتيجة لذلك. وأفضل ما في الأمر أن البنك لم يقم بهذا الأمر كغطاء على استثمارات أخرى، ولكنه قام بالأمر لتحقيق مكسب شخصي، على حساب الغير.
وتشير الكاتبة إلى أن مثل هذه المناورات سليمة من الناحية القانونية، إلا أنها أصبحت مستهجنة أكثر بعد الأزمة المالية العالمية، وهنا ولد مصطلح جديد يسمى المضاربة المالية. وقد كتبت رانا فوروهار في كتابها إن علتنا الاقتصادية اليوم اكتسبت اسما جديدا وهو المضاربة المالية .
ويعد الكتاب نقدا لاذعا لتفكير الحصيلة الصفرية الذي تتبناها المصارف الأمريكية في وول ستريت للسيطرة على الاقتصاد الأمريكي وتقييده، وهي في ذلك لا تتبنى رؤية لاشتراكية جديدة، لكنها تقول إن التمويل من أجل التمويل يضر بمصلحة الشركات، بل وبالفكرة الرأسمالية بأسرها.
فالتمويل يخدم احتياجات الشركات بشكل أساسي أو ما تسميها فوروهار المنتجون ، من خلال توفير رأس المال، الذي يستخدم في الاستثمار في النمو على المدى الطويل. لكنها تقول إنه منذ عقود ما بعد الحرب، وفترة حكم الرئيس ريجان، بدأ الممولون الاهتمام بالتمويل فقط. فقد تبنى شخص مثل وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت ماكنامارا مبدأ الإدارة من خلال الإحصائيات، بينما جعل مستثمرون مثل كارل أيكان المكاسب قصيرة الأجل هدفهم المطلق. وهذا دفع الشركات إلى تقليل ميزانياتها المخصصة للبحث التطوير من أجل تحقيق خدع تتعلق لميزانياتها تفادي من خلالها الضرائب.
ووفقا لكتاب فوروهار، فإن النشاط الأساسي للبنوك هو تدوير الديون، وهي إستراتيجية خطيرة تضر بقدرة الشركات على النمو. وذكرت على سبيل المثال مصير شركات مثل (General Motors) و(General Electric) و(Xerox) التي أدت طريقة تفكيرها قصيرة النظر إلى تدنٍ في الإبداع، ومن ثم تراجع في مركزها من على قمة هرم الشركات العالمية. فقد أصبحت المضاربة المالية هدفا في حد ذاتها بدلا من أن تقوم على خدمة الشركات، وأضحت نظاما مغلقا بعيدا عن النشاط الاقتصادي الملموس.
وفكرة الكتاب لا تعد متطرفة أو جديدة بالكلية، إذ يعد هذا الجدل قديما بالنظر إلى الغضب الذي يشعل الفكر الشعبوي في اليمين واليسار. وبينما يمتاز الكتاب بالحماسة، وخلافا لما يقدمه من أفكار لرأسمالية أبسط تعتمد على الشركات التي تقوم على التصنيع، إلا أنه لا يعطي صورة عن الطريقة التي يمكن من خلالها إصلاح الأمور.
وإن كانت آمال فوروهار بسيطة أو تتسم بالبراءة أكثر من اللازم، إلا أنها تقول إن النظام الحالي ليس منزّلا من السماء، فالرأسمالية الحديثة نتاج عملية تطور فوضوية، يدفعها الجشع الفطري، وتحجمها القوانين التي وضعناها لحماية أنفسنا منها. وتقول: يمكننا أن نعيد صياغة القوانين بالشكل الذي نراه مناسبا، لخدمة الرفاهية المشتركة والنمو الاقتصادي . وهذه مثاليات جيدة بلا شك، إلا أن فوروهار لم تكشف الطريقة التي يمكننا من خلالها أن نحمي أنفسنا من أن ترفع وول ستريت أسعار علب الكوكاكولا الخاصة بنا مرة أخرى في المستقبل، على سبيل المثال لا الحصر.