الغاز الطبيعي عنصر أساسي في قطاع الطاقة العالمي يمثل 24% من الاستهلاك الدولي

لوسيل

عبد الدايم نور

يعد الغاز الطبيعي أحد أهم مصادر الطاقة في الاقتصاد العالمي، ولا تزال الاحتياطيات الجيولوجية للغاز شديدة التركّز في عدد محدود من الدول. وبحسب أحدث البيانات الدولية المتاحة، تتصدر روسيا وإيران وقطر قائمة الدول المالكة لأكبر احتياطيات الغاز الطبيعي، مع اختلاف الأرقام من مصدر إلى آخر بسبب اختلاف منهجيات احتساب الاحتياطيات وتحديث بيانات الحقول.

وفق بيانات Energy Institute وبيانات دولية حديثة مجمعة للاحتياطيات المؤكدة، تبرز توجد فروق كبيرة بين قواعد البيانات بشأن الصين وبعض الدول، لذلك ينبغي التعامل مع الأرقام باعتبارها تقديرات للاحتياطيات المؤكدة وليست قياسًا موحدًا تمامًا بين جميع الدول. وتوضح منهجية Energy Institute أن بيانات الاحتياطيات تجمع من مصادر حكومية ورسمية ومصادر أخرى، وأن تعريف الاحتياطي المؤكد قد يختلف بين المصادر.

وتشكل روسيا وإيران وقطر مثلث الثقل الأكبر في الاحتياطيات العالمية للغاز الطبيعي، بينما تتمتع الولايات المتحدة بمزيج مختلف يجمع بين الاحتياطيات والإنتاج المرتفع والقدرة الكبيرة على تصدير LNG.

أما قطر، فميزتها الأساسية لا تكمن فقط في كونها ثالث أكبر دولة من حيث الاحتياطي، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الثروة إلى صناعة متكاملة للغاز المسال، مدعومة بحقل الشمال والبنية التحتية المتطورة وشبكة العلاقات التجارية العالمية

روسيا.. أكبر مخزون غازي

تمتلك روسيا واحدًا من أكبر مخزونات الغاز الطبيعي في العالم، وتضعها معظم قواعد البيانات الدولية في المركز الأول أو بالقرب منه.

وتكمن أهمية روسيا ليس فقط في حجم الاحتياطي، وإنما في حجم الإنتاج والبنية التحتية وشبكات خطوط الأنابيب التي تربطها بالأسواق الأوروبية والآسيوية.

ويظل الغاز الروسي عنصرًا رئيسيًا في سوق الطاقة العالمي، رغم التغيرات الكبيرة في اتجاهات تجارة الغاز خلال السنوات الأخيرة.

إيران.. ثروة غازية ضخمة

تأتي إيران في المرتبة الثانية عالميًا من حيث الاحتياطيات في معظم التصنيفات.

وتقدر احتياطياتها بنحو 34 تريليون متر مكعب، ما يجعلها تمتلك واحدة من أكبر الثروات الغازية في العالم.

ومن أبرز الحقول الإيرانية حقل جنوب فارس، وهو الامتداد الإيراني لحقل الشمال القطري، ويعد من أكبر مكامن الغاز الطبيعي في العالم.

وتواجه إيران تحديات في تحويل حجم الاحتياطيات الهائل إلى صادرات عالمية أكبر، من بينها الحاجة إلى استثمارات ضخمة في تطوير الحقول والبنية التحتية والتكنولوجيا، إضافة إلى القيود المرتبطة بالعقوبات الدولية.

قطر.. قوة غازية عالمية

تحتل قطر المرتبة الثالثة عالميًا في الاحتياطيات، بنحو 23.8 تريليون متر مكعب تقريبًا وفق أحدث التقديرات المتداولة.

وتتركز معظم الثروة الغازية القطرية في حقل الشمال، الذي يمثل الجزء القطري من أكبر مكمن غاز طبيعي غير مصاحب معروف عالميًا، ويمتد إلى الجانب الإيراني تحت اسم حقل جنوب فارس.

وتكمن أهمية قطر في أنها لا تعتمد فقط على حجم الاحتياطي، وإنما على قدرتها الاستثنائية على تحويل الغاز إلى صادرات غاز طبيعي مسال LNG.

وقد أصبحت استراتيجية قطر خلال السنوات الأخيرة قائمة على زيادة الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال من خلال توسعات حقل الشمال، وهو ما يعزز موقعها في سوق الغاز العالمي لعقود مقبلة.

وتشير بيانات Energy Institute إلى أن قطر كانت من أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال عالميًا، فيما شهد سوق LNG منافسة متزايدة خصوصًا من الولايات المتحدة.

حقل الشمال.. أهم أصول الغاز

يمثل حقل الشمال جوهر القوة الغازية القطرية وتكمن أهميته في عدة عوامل:

ضخامة الاحتياطي، انخفاض تكلفة الإنتاج نسبيًا، قربه من مرافق التسييل والتصدير، الموقع الجغرافي الذي يسمح بالوصول إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، امتلاك قطر بنية تحتية متطورة للغاز الطبيعي المسال.

ولهذا فإن أهمية قطر في سوق الغاز لا يمكن قياسها فقط بترتيبها الثالث من حيث الاحتياطيات، وإنما أيضًا بقدرتها على الإنتاج والتسييل والتصدير بعقود طويلة الأجل.

تركمانستان.. احتياطي ضخم وإمكانات تصديرية

تمتلك تركمانستان أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم، وتأتي عادة في المركز الرابع.

ويُعد حقل غالكينيش أحد أهم أصولها الغازية، وهو من أكبر حقول الغاز في العالم.

لكن مقارنة بقطر وروسيا والولايات المتحدة، فإن تركمانستان تمتلك بنية تصديرية أقل تنوعًا، وتعتمد بدرجة كبيرة على خطوط الأنابيب والأسواق الإقليمية.

وهنا تظهر أهمية الجغرافيا السياسية؛ فامتلاك الاحتياطي لا يعني تلقائيًا القدرة على الوصول إلى جميع أسواق الغاز العالمية.

الولايات المتحدة.. احتياطيات ضخمة وإنتاج هائل

تمتلك الولايات المتحدة احتياطيات كبيرة، لكنها تتميز بصورة خاصة بقدرتها الإنتاجية.

فهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم، وساعدت ثورة الغاز الصخري خلال العقدين الماضيين على تغيير خريطة سوق الطاقة العالمي.

ويشير Energy Institute إلى أن الولايات المتحدة وروسيا وإيران والصين كانت معًا مسؤولة عن نحو 53% من إنتاج الغاز الطبيعي العالمي في 2024. كما أصبحت الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا في تجارة الغاز الطبيعي المسال.

الصين.. احتياطيات كبيرة وسوق استهلاكية ضخمة

تمتلك الصين احتياطيات كبيرة من الغاز، لكنها تتميز أساسًا بأنها واحدة من أكبر أسواق الغاز في العالم.

وتواصل الصين تطوير إنتاجها المحلي بالتوازي مع استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال.

ووفق Energy Institute، ارتفعت أهمية الصين في إنتاج الغاز بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، وأصبحت رابع أكبر منتج عالميًا في 2024.

السعودية..جزء من إستراتيجية التحول

تمتلك السعودية احتياطيات كبيرة من الغاز، وتعمل على تطوير إنتاجها المحلي ضمن استراتيجية أوسع لزيادة استخدام الغاز وتقليل الاعتماد على السوائل النفطية في توليد الكهرباء والصناعة.

وتكتسب اكتشافات وتطويرات الغاز غير المصاحب أهمية متزايدة، خصوصًا مع خطط المملكة لرفع إنتاج الغاز وتوسيع استخدامه في الصناعات البتروكيماوية والكهرباء.

الإمارات.. احتياطي كبير ومشروعات لتطوير الغاز

تمتلك الإمارات احتياطيات كبيرة من الغاز، وتعمل على زيادة قدرتها على الإنتاج والاستفادة من الغاز محليًا وتبرز أهمية الغاز الإماراتي في دعم توليد الكهرباء. والصناعة البتروكيماويات و خفض الحاجة إلى استيراد الغاز بالإضافة إلى دعم مشاريع الطاقة الجديدة.

كما أن تطوير موارد الغاز غير التقليدية يمثل جزءًا من استراتيجية الدولة لتعزيز أمن الطاقة.

فنزويلا.. احتياطيات ضخمة

تمتلك فنزويلا احتياطيات ضخمة من الغاز، إلى جانب كونها دولة ذات احتياطيات نفطية هائلة.

إلا أن حجم الاحتياطي لا ينعكس بالضرورة على حجم الإنتاج والتصدير؛ إذ تحتاج صناعة الغاز إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتطوير والإنتاج والنقل.

نيجيريا.. الأبرز أفريقياً في سوق الغاز

تأتي نيجيريا ضمن الدول صاحبة أكبر احتياطيات الغاز في العالم، وتعتبر من أهم الدول الأفريقية في سوق الغاز الطبيعي المسال.

وتملك البلاد إمكانات كبيرة للتوسع في إنتاج الغاز وتصديره، لكن تطوير القطاع يرتبط بالاستثمار في البنية التحتية والأمن والقدرة على تنفيذ المشروعات بكفاءة.

الاحتياطي ليس كل شيء

من أهم النقاط التي يجب الانتباه إليها عند مقارنة الدول أن الدولة صاحبة أكبر احتياطي ليست بالضرورة أكبر منتج أو أكبر مصدر للغاز.

هناك ثلاثة مؤشرات مختلفة:

الاحتياطيات: كمية الغاز التي يمكن استردادها اقتصاديًا وتقنيًا من الموارد المعروفة.

. الإنتاج: كمية الغاز التي تنتجها الدولة سنويًا.

. الصادرات: كمية الغاز التي تستطيع الدولة بيعها للأسواق الخارجية.

ولهذا نجد أن بعض الدول تمتلك احتياطيات ضخمة لكنها تنتج أو تصدر أقل بكثير من دول أخرى.

الغاز المسال يعيد رسم خريطة التجارة العالمية

شهد سوق الغاز تحولًا كبيرًا مع توسع تجارة الغاز الطبيعي المسال LNG.

فالغاز المسال يسمح للدولة المنتجة بتصدير الغاز إلى أسواق بعيدة دون الاعتماد على خطوط الأنابيب.

وتتصدر الولايات المتحدة وقطر وأستراليا المشهد العالمي في صادرات LNG، مع اختلاف الترتيب من عام إلى آخر.

لماذا تتمتع قطر بموقع استثنائي؟

يمكن تلخيص القوة الغازية القطرية في أربعة عناصر:

الاحتياطي + انخفاض تكلفة الإنتاج + LNG + العقود طويلة الأجل.

وهذا المزيج يمنح قطر قدرة كبيرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

كما أن توسعات حقل الشمال تعني أن أهمية قطر في سوق الغاز لن تعتمد فقط على الاحتياطي الحالي، وإنما على زيادة الطاقة الإنتاجية والتصديرية خلال السنوات المقبلة.

صورة مستقبلية لسوق الغاز

تشير بيانات Energy Institute إلى أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي ارتفع في 2024 بنحو 113 مليار متر مكعب، أي 2.5%، بينما بلغ الإنتاج العالمي نحو 4.124 تريليون متر مكعب.

وفي الوقت نفسه، تشير أحدث نسخة من Statistical Review الصادرة في 2026 إلى أن إجمالي الطلب العالمي على الطاقة واصل تسجيل مستويات قياسية في 2025، ما يعكس استمرار أهمية الغاز ضمن مزيج الطاقة العالمي رغم التوسع في مصادر الطاقة منخفضة الكربون.