في الجلسة الثانية من برنامج «وآمنهم من خوف»..

علماء ومفكرون: التجديد المتواصل ضرورة ومن أسباب بقاء الدين الإسلامي

لوسيل

مصطفى شاهين

ناقشت الجلسة الثانية من برنامج وآمنهم من خوف الرمضاني، الذي نظمته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الخميس بمقر الوزارة، التراث الفقهي الإسلامي، مسارات التجديد وحدود المراجعة.
وقال الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد النعمة مقدم البرنامج: إن العلماء عرَّفَوا الفقهَ الإسلاميَّ بأنه اَلْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ اَلشَّرْعِيَةِ اَلْعَمَلِيَّةِ اَلْمُسْتَفَادُ وَالْمُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا اَلتَّفْصِيلِيَة.
وأضاف أن الفقهُ الإسلاميّ استمد وُجُودَهُ بِصِفَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ مِنَ الشريعةِ الإسلاميةِ التي هي اَلْيَنْبُوعُ اَلرَّبَّانِيُّ الذي لاَ يَنْضَبُ أَبَدًا؛ وَهِيَ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ رسولُ اللهِ محمد صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِ الله تعالى، مِنْهَا مَا نَزَلَ لِبَيَانِ العقيدةِ، وَمِنْهَا مَا نَزَلَ لِإِتْمَامِ مَكَارِمِ الأخْلاَقِ وَمَا شُرِعَ لِتَدْبِيرِ أُمُورِ اَلْعِبَادِ في الدنيا وَإِصْلاَحِ اَلْمَعَايِشِ وَالمجتمعِ اَلْبَشَرِيِّ. وَقَدْ رَاكَمَ فقهاءُ الأمة تُرَاثًا فقهيا عَظِيمًا تَآلَفَ في أَبْوَابٍ وَاِخْتَلَفَ في أُخْرَى بِحَسَبِ المذاهِبِ وآليَاتِ اَلنَّظَرِ. وَعَبَّرَتْ اجتهاداتُ الفقهاءِ عَلَى اَلْآفَاقِ الواسعةِ التي تُتِيحُهَا الشريعةُ الإسلاميةُ لِتَطْوِيرِ المجتمع المسلم مَعَ اِعْتِبَارِ مَا جّدَّ في كُلِّ عَصْرٍ.
وشَاعَتْ منذ القرن السادس الهجري دَعْوَى غَلْقِ بَابِ الاجتهادِ، وَكاَنَ مِنْ أَسْبَابِهَا مَا شَاعَ مِنْ تَعَصُّبٍ لمذَاهِبِ الأئمةِ مِنْ جِهَةٍ، وَمَا لُوحِظَ مِنْ جُرْأَةِ اَلْبَعْضِ عَلَى الأحكامِ اَلشَّرْعِيَةِ. وَكَانَتِ اَلنَّتِيجَةُ أَنْ صَارَتِ الموروثاتُ الفقهيةُ عِنْدَ اَلْبَعضِ شَرِيعَةً مُبَجَّلَةً فَحَرَمُوا الأمة مِنْ مَعْرِفَةِ الاَحْكَامِ الشرعيةِ فِيمَا جَدَّ مِنْ أَحْدَاثٍ وَمَا طَرَأَ على عَصْرِهِمْ مِنْ نَوَازِلَ.
وَقَدْ أَتَى عَلَى الأمةِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ، تَوَسَّعَ فِيهِ اَلْخِلاَفُ بَيْنَ أَبْنَائِهَا لِعَوَامِلَ عَدِيدَة مَعْلُومَة، وَعَمَّتْ فِيهِ اَلْفَوْضَى مَجَالَ الإفتاءِ بَيْنَمَا اَلْمُسْلِمُونَ فِي حَاجَةِ أَشَدّ إِلَى اَلْفُتْيَا اَلرَّاشِدَة لِتَمَخُّضِ اَلزَّمَانِ عَنْ نَوَازِلَ لاَ عَهْدَ لِلسَّابِقِينَ بِهَا. كَمَا بَرَزَ في المجتمعِ المسلمِ مَنْ اِفْتَتَنَ بِتَتَبُّعِ اَلْخِلَافَاتِ اَلْفِقْهِيَةِ وَالاِسْتِدْلَالِ بِشَوَاذِّ الآراءِ فَعُطِّلَتِ اَلْأَحْكَامُ بِاسْمِ اَلْخِلَافِ فَكَسَلَ اَلْمُتَعَبِّدُونَ عَنِ اَلطَّاعَاتِ وَاِجْتَرَأُوا عَلَى اَلْمَكْرُوهَاتِ، بَيْنَمَا تَعَدَّدَتِ اَلْمَجَامِعُ اَلْفِقْهِيَةُ وَعَجَزَتْ عَنْ ضَبْطِ بَابِ الاِجْتِهَادِ واَلْحَدِّ مِنْ فَوْضَى الإِفْتَاءِ اَلَّتِي بَاتَتْ تُؤَرِّقُ اَلْعِبَاد.

أصالة التجديد

قال الشيخ الدكتور نور الدين الخادمي الفقيه والأكاديمي، وزير الشؤون الدينية السابق بالجمهورية التونسية الشقيقة إن مسألة التجديد من المسائل الكبرى في الشرع الإسلامي في أصوله ونصوصه وتراثه ومؤسساته، وتعد إحدى المقولات المعرفية المنهجية الواقعية التي تمثل حيزا من التدوين العلمي والتأصيل الشرعي، مشيراً إلى أن الحديث عن التجديد يبدأ بأصالة هذا التجديد الذي تناولته أحاديث كثيرة أشهرها حديث ابن داوود إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها .
وبين د. الخادمي أن تجديد النص هو فهمه وإعماله وفق موضوعه ولغته وسياقه وقواعده مما استقر عند العلماء المحققين، مؤكداً أن أصالة هذا التجديد تورث العلم والعمل وتبعث على فعله من غير تردد في إطار حدوده ضوابطه.
وحول قواعد التجديد نقل الدكتور الخادمي قول العلماء إنها لا ينكر التغير في الأحكام المبنية على العرف والمصلحة في تغير الزمان، واختلاف عصر وزمان، واختلاف حجة وبرهان، كتغير الفتوى بتغير الحال والزمان والمكان، مشيراً إلى أن هذا الجانب من التقعيد لهذه الأحكام المبنية على المعرفة والمصلحة يمثل درباً آخر من التأصيل، باعتبار أن هذا الجديد ثابت مستقر في دين الله سبحانه وتعالى.
وأضاف أن التجديد للدين كله بنوعيه القطعي والظني الثابت والمتغير والمتحول، فالثابت والقطعي هو ثابت ومستقر بناء على موضوعه ولغته ومراد الشارع، كأصول الاعتقاد والأخلاق والشريعة وتفاصيل العبادات مما هو تعبدي لا يقبل التغير، أما المتغير فهو ما يتأثر بالزمان والمكان والحال وهو موضوع التجديد والبحث بما فهو أفضل في الوسائل والمخرجات وما يحقق مصلحة أكبر.
أما تجديد الثوابت، فقد أوضح د. الخادمي أن تجديدها بفهمها حق فهما وإرجاعها إلى أصلها، أما المتغيرات فهي مجالات السياسة والإدارة والنوازل بأنواعها، مؤكداً أن فقهنا الإسلامي مثل وجهاً حضاريا متقدما من جهة ما حوله الفقهاء من النصوص إلى مقاربات وفهمها في سياقاتها.
ودعا د. الخادمي إلى التجديد المعاصر في الأساليب والتجديد في المصطلحات كمصطلحات الفقه الإسلامي التي تستجيب للعصر كالمصطلحات القضائية التنموية الجانب الإداري والنظم المتعلقة بالأحكام الشرعية كنظام الزكاة والوقف والزواج، ولا حرج أن نجدد مؤسساتنا وإجراءات عملنا ومصطلحات خطابنا وأساليب النشر والبحث والتأليف في المجال الفقهي.
وأكد أن الخطاب الفقهي لابد أن يكون خطابا عصريا مؤسسيا بوسائل عصرية وبتقنيات حديثة ليخاطب الشباب في قضاياهم التنمية التشغيلية، وفي موضوع العنوسة، الانتحار، زيادة الجريمة، العمران، وحدة الأوطان، وحقوق الإنسان. ويعبر عن الأصول بوسائل الصورة الفنية المسرحية في إطار أصالة وإبداع اجتهادي ينطلق من النصوص.

العودة إلى الأصول

قال الشيخ الدكتور محمد يسري إبراهيم، أمين عام الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ووكيل جامعة المدينة العالمية، إن التجديد يعرف الشيء إلى حالته الأولى، وليس في التجديد تبديد للصفة الأولى التي كان عليها الأمر، وإن هذا المعنى مأخوذ من كتاب الله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ، والخلق الجديد هنا يعودون إلى حالتهم الأولى التي كانوا عليها، مبيناً أن التجديد هو عودة إلى الأصول.
وشدد على أن هذا المعنى يجب أن يكون حاضراً، لافتاً إلى أن التجديد الذي يكون في ديننا هو تجديد لسنتنا، وتجديد لعلاقتنا نحن بديننا، بمزيد من الالتصاق به، ومزيد من التحمل لقضيته، ومزيد لتلبية أصوله وثوابته وقواعده، للقيام بهذه المهمة الحضارية في الإسلام ألا وهي مهمة التجديد.
وأضاف: بينما نتحدث نحن عن التجديد، إنما نتحدث عن جوهر نحفظه وعن أصالة نحميها، ثم نتحدث بعد ذلك عن التجديد في هذه الأصول وتلك الثوابت، هكذا فعل الصحابة والتابعون في زمانهم، هكذا فعلت الأمة في كل زمن انتشرت فيه وبلغت فيه مبلغاً عظيماً من الحضارة والقيام بواجباتها في التجديد.
وأوضح أن التجديد ما هو إلا إضافة ونسخ في علاقتنا بهذا الدين، لا نملك أن نضع عليه شيئا من أذهاننا وأفكارنا غير أننا نمايز ما بين الأصول الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة والعمل الذي نعمله نحن في كتاب ربنا وسنة نبينا، فإن الفقه عمل بشري في هذه النصوص التي وردت في كتاب الله وسنة النبي.
وأكد أن التجديد الذي نتحدث عنه زاحمته مصطلحات أخرى تتحدث عن تبديل الأفكار، وعن إسلام عصراني وآخر عقلاني وتارة اشتراكي وآخر رأسمالي، إسلام تقام فيه معركة للإبقاء على صورته وشكله ومظهره والذهاب بمضمونه وأصوله هو تجديد مرفوض أقرب إلى التبديد وهذا التبديد لا يقبله الإسلام.

المجامع الفقهية

وقال الدكتور محمد أبو لوز أستاذ التعليم العالي بالمركز التربوي الجهوي بالرباط إن الدين الإسلامي باق ما بقيت الحياة لأن الله تعالى هيأ له أسباب البقاء والتي تتجسد في عملية التجديد المتواصلة من قبل علماء الأمة.
وقال إن فكرة المجامع الفقهية الحديثة ليست جديدة على الأمة الإسلامية، مبينا أن الخلفاء الراشدين في عصر الإسلام الأول كانوا يجمعون الناس للتشاور في أمر الدين والدنيا وما ينفع الناس، وشدد على أنه لابد من أن تتكاتف العقول وتتوحد الرؤية فيما يصلح أمر الأمة لأن تجمع الرؤى لابد أن يراعي المصلحة العامة.
وفي إجابته عن سؤال حول واقع الاجتهاد في الوقت الراهن؟ وهل استطاعتِ اَلْمَجَامِعُ اَلْفِقْهِيَةُ أَنْ تُؤَمِّنَ لِلْأُمَّةِ اِجْتِهَادَاتٌ فِيمَا جَدَّ مِنْ نَوَازِلَ وَقَضَايَا، قال الدكتور أبولوز إنه لا ينبغي إنكار ما تحقق من جهود عملت على تجديد الفقه الإسلامي على مر العصور ورأى أن المنكرين لعملية التجديد غير مطلعين على ما ظهر من فتاوي وأحكام أصدرتها المجامع الفقهية .
وأكد أن المجامع الفقهية بحاجة إلى تطوير. وشدد على ضرورة التجديد والرغبة في أن تكون الشريعة الإسلامية هي المرجع الأخير الذي تسير عليه حياة الأمة، وأكد أبولوز أنه إذا حسن أمر السياسة فإن الفقه الإسلامي سيتطور، وأعرب عن أسفه لما عليه الحال عند أهل السنة إذ إن السلطان يسير في اتجاه بينما أهل الفقه يسيرون في اتجاه آخر.
وأضاف: إننا بحاجة إلى لغة فقهية عصرية سهلة، مشيرا إلى أن المجامع الفقهية بذلت جهودا كبيرة إلا أن هذه الجهود لابد أن تصل إلى الناس .
ودعا أبو لوز إلى تجديد المناهج في الجامعات في البلاد العربية والإسلامية وإلى أن تتداول مخرجات المجامع الفقهية على مستوى دراسة الماجستير والدكتوراه.. كما دعا الباحثين في مجالات الفقه أن تحديث أنفسهم باستخدام التكنولوجيا ومختلف اللغات لنقل مستجدات الفقه الى المجتمع وحتى يتسنى الوصول الى الجاليات غير المسلمة التي تتحدث بلغات أخرى أم أن يبغى الفقه حبيس الرفوف هذا ما لا يفيد الإسلام.

الفرد والجماعة

أكد الشيخ الدكتور يحيى عبد الله عضو اتحاد علماء إفريقيا، أن الرسول صلى الله عليه وسلم وعد الأمة بالتجديد. والأمر لا يتعلق بما إن كان التجديد من فرد أو جماعة، لأننا قرأنا في الفقه الإسلامي، لما ذُكر المجددين في فترة من الفترات ذكروا شخصاً، وفي فترات أخرى ذكرو عدة أشخاص. وأوضح أن عند المائة العام الأولى كان المجدد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، والشافعي كان عند المائة الثانية، ثم ابن شريح، ثم الأشعري، والباقلاني، ولكن بغض النظر عن ذلك، فالأمر غير مرتبط بفرد كان أو جماعة.
وأضاف د. عبد الله أنه لا شك أن هذا العصر الذي امتد فيه الإسلام وأهل الإسلام باتوا في رقع واسعة جداً من الأرض، ولكن الصلة بالنصوص الشرعية ليست كعهد الصحابة وعهد التابعين، وفي مثل هذا العصر فإن الرشد يكون في الاجتهاد الجماعي، فهو الذي يحقق ما هو مقصود.
وتابع الدكتور يحيى عبد الله: كلمة الدين في القرآن، قد يُعنى به الشرع الذي أنزله الله، وقد يُعنى به تدين البشر، وقد يعنى به الجزاء الأُخروي، والأخير لا ارتباط له مع التجديد، فهو نتيجة ما يفعله الناس في الحياة الدنيا، أما فيما يتعلق بالمُنزل من الله سبحانه وتعالى ففيه التجديد، فلابد فيه من معرفة النص وفهمه على ضوابطه وسياقه الذي أراده الله عز وجل، وعلى أساسه وضعت الأمة أسس وقواعد وضوابط شرعية.
وأشار إلى أن المجال الواسع في التجديد يبقى في الدين بمعنى تدين البشر، وفهمهم لشرع الله سبحانه وتعالى، وفهماً لما هم عليه، وتنزيل للنصوص، مؤكداً أن ذلك كله يعتريه الخطأ والصواب، سواء كان لفهم النص الشرعي، أو لتقدير ما عليه الناس، أو للتنزيل لتحقيق المراد، وهذا كله قد يكون صواباً أو خطأً.

التقارب بين المذاهب

وقدم الشيخ الدكتور طارق الأيوبي مدير مجلة نداء الاعتدال في الهند مفهوما مختلفا للتجديد والمراجعة يتمثل في تحقيق التقارب بين جميع المذاهب وتجاوز الخلافات، مؤكدا أنها ثابتة في الكتاب والسنة.
وقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك أمثلة واضحة للمراجعة.
واشار إلى أن الشيخ أبا الحسن الندوي، رحمه الله، اعتبر الإمام ولي الله الدهلوي أحد المجددين، مبينا أن الشيخ الدهلوي ترك فكرة للمراجعة والتجديد تتمثل في تحقيق التقارب والتوافق بين المسالك الفقهية الشهيرة لاسيما المذاهب الأربعة ، والتوافق بين أهل الحديث وأهل الرأي وبين الفقهاء والمحدثين أيضا.
بدوره تحدث الشيخ العلامة الدكتور حسن العلمي أستاذ التعليم العالي جامعة ابن طفيل عضو اتحاد علماء العالم العربي عن ظاهرة المقاومة للتجديد، مشيراً إلى أن بعضا من دعاة التجديد أفنوا أعمارهم لمواجهة الشريعة الإسلامية وأصولها والإغارة على النصوص وإبطال الثوابت بدعوى العصرنة والتحديث، مؤكدا أن من يتصدون لقضية التجديد الديني والفقهي في الوقت الراهن قوم لا صلة لهم بعلوم الشريعة ولا يفقهون شيئا عنها.
وتابع: هؤلاء لا غرض لهم سوى هدم ثوابت الأمة وانتهاك مقدساتها وتفتيت وحدة المسلمين، وفصلهم عن قضاياهم مثل قضية فلسطين .. مضيفا: لقد تم تجنيد هؤلاء لهذا الغرض .