بعث حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، عبر كلمة سموه في الجلسة الافتتاحية لقمة كوالالمبور 2019، عددا من الرسائل المهة للأمة الإسلامية، رسائل وصفت بدقة أسس التنمية والحكم الرشيد، فضلا عن كونها قدمت وصفاً دقيقاً لأزمات العالم الإسلامي، ولم يكتف صاحب السمو بتحديد أو تشخيص داء الأمة الإسلامية فقط، بل قدم سموه حلولا ناجحة لمواجهة تلك الأزمات وإحياء الحضارة الإسلامية التي كانت منارة للعلم والتنمية وخير الإنسانية جمعاء.
كلمة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، في القمة التي انعقدت تحت عنوان دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية ، تمثل مرجعا في القيم الاخلاقية والانسانية، وهنا كانت الرسالة الأولى، حيث أكد سموه على أهمية اعتزازنا بحضارتنا وديانتنا التي تأتي في إطار تمسكنا بإنسانيتنا وقيمنا الكونية، فالتعصب، كما قال سموه دليل على عدم الثقة بالنفس، ووجود أزمة هويّة، لسنا مختلفين جوهريًا عن بقية شعوب العالم وحضاراته، والرسالة الثانية التي أشار إليها سموه توصيف لعلة عدم الاستقرار بالشرق الأوسط ، وهو تهميش الشرعيّة الدوليّة، مؤكدا أن العدالة من أهم شروط الاستقرار فلا دوام للاستقرار بلا عدل وإنصاف.
صاحب السمو أكد في كلمته، على عدم الاستسلام لصعوبات بنيوية أو لما يُزعَم أنه معوِّقات ثقافية قائمة في دولنا ومجتمعاتنا، وقال كما أن اللجوء لنظريات المؤامرة لتفسير الفشل في أي من المجالات أعلاه هو أيضا نوع من الاستسلام. وهذا لا يعني أنه لا توجد مؤامرات وتدخلات خارجية. ولكن استخدامها لتبرير الإخفاق والخيارات الخاطئة هو تعبير عن كسل فكري وعجز سياسي، كما أن العوامل الخارجية السلبية، التي تسمى مؤامرات أحيانا، غالبا ما تصبح فاعلة ومؤثرة في ظروف داخلية مواتية .
شعار القمة
ومن هنا يمكن الانتقال إلى الرسالة التالية، التي يجب الإشارة قبل الخوض فيها إلى أهمية شعار القمة الذي يعكس التحديات الجسيمة التي يواجهها العالم بشكل عام، والعالم الإسلامي بشكل خاص، فيما يتعلق بقضايا الأمن والسلم والتنمية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان، حيث يقع على عاتق الساسة وقادة الدول مسؤولية التغيير وتخليص المجتمعات من الأزمات، وهنا طرح سموه إلى رسالة جديدة، وهي لا يجب الاستسلام والركون إلى الفشل وتقديم المبررات من قبيل المؤامرات الخارجية أو المصاعب البنيوية والأزمات الثقافية التي وصمت بها ظلماً المجتمعات المسلمة ، حيث ثبت في بعض الدول التي تعيش فيها أغلبية مسلمة، أنه لا تناقض بين الثقافة الإسلامية والتنمية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان، وأنها كبقية الحضارات الكبرى، يمكن أن تكون حاضنة لأنظمة حكم متنورة ورشيدة.
العلاقة بين التنمية والسيادة.. علاقة تبادلية ، رسالة أخرى ركز عليها صاحب السمو خلال كلمته أمام القمة، حيث أكد أن التنمية الوطنية، غير ممكنة من دون سيادة وطنية في دولٍ مالكةٍ لقرارها حيث يكاد يستحيل الحفاظ على السيادة الوطنية واستقلالية القرار في ظروف من التخلف والتبعية الاقتصاديين، وقال سموه في كلمته نحن إذ نجتمع هنا لبحث العلاقة بين التنمية والسيادة، نؤكد على أن التنمية الوطنية، خاصة تلك التي تأخذ التنمية البشرية بالاعتبار، غير ممكنة من دون سيادة وطنية في دولٍ مالكةٍ لقرارها. ومن ناحية أخرى، يكاد يستحيل الحفاظ على السيادة الوطنية واستقلالية القرار في ظروف من التخلف والتبعية الاقتصاديين. ولهذا فإن التنمية ركن أساسي من أركان الاستقلال والسيادة الوطنية .
أركان الاستقلال
إذاً، فالتنمية كما أوضح سموه ركن أساسي من أركان الاستقلال والسيادة الوطنية، ومن هذه الرسالة ينتقل سموه إلى رسالة جديدة، يشرح فيها للعالم أسس التنمية في قطر، حيث أكد حضرة صاحب السمو أن قطر جعلت التنمية في مقدمة أولوياتها من خلال استراتيجية التنمية الوطنية 2012/ 2017، واستراتيجية التنمية الثانية 2018 /2022، لتحقيق رؤيتها الوطنية 2030، فقد أثبتت سياسات قطر التنموية أنّ الثقة بالهويّة الوطنيّة والتمسك بالقيم الأخلاقيّة والدين الإسلامي الحنيف، ينسجم مع العقلانيّة في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي، والانفتاح على العالم، والنظرة الكونيّة الإنسانيّة في قضايا العدالة وحقوق الإنسان، وانطلاقاً من الإيمان الراسخ بأهمية التعاون الدولي في تحقيق التنمية كركيزة للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي فإن قطر لم تألُ جهداً في الوفاء بالتزاماتها بتقديم المساعدات الإنمائية غير المشروطةِ بأجنداتٍ سياسية للدول النامية لتمكينها من تنفيذ برامجها التنموية ومكافحة الفقر والبطالة وتطوير التعليم وتحسين الرعاية الصحية.
كيفية التعايش
ومن الرسائل ذات المضمون الرصين التي أشار إليها سمو الأمير، ما أكده من ضرورة التسامح مع العقائد الأخرى، وكيفية التعايش في سلم مع كل الاجناس والأطياف والأعراق والأديان، بدأ الرسالة بالإشارة إلى الإسلام، حيث أكد سموه أهمية الاعتزاز بديننا الإسلامي الحنيف، وحضارتنا وثقافتنا الإسلامية، وبهويتنا الوطنية، التي هي مصدر عز وافتخار لكل الأمة العربية والإسلامية، كما نبه سموه إلى ضرورة الاعتناء بالثقافة الإسلامية والتنمية والحكم الرشيد، حيث قال بالهويّة الوطنيّة وتمسكنا بقيمنا الأخلاقيّة وديننا الإسلامي الحنيف، ينسجم مع العقلانيّة في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي، والانفتاح على العالم، والنظرة الكونيّة الإنسانيّة في قضايا العدالة وحقوق الإنسان ، مؤكدا في الوقت ذاته أهمية الثقة بالنفس والاعتزاز بالإسلام والابتعاد عن التعصب والعنصرية، حيث قال لسنا مختلفين جوهريًا عن بقية شعوب العالم وحضاراته. والنهج الذي يصنّف الناس درجاتٍ تبعًا لدياناتهم ينم عن تفكير عنصري لا يختلف عن الفكر الذي صنفهم في الماضي درجاتٍ بموجب أعراقهم .. وهذا يعني أيضًا التسامح مع العقائد الأخرى، وقبول التعددية والتنوع في عالمنا بوصفه سُنّةَ الله في خلقه. إنّنا نرى التعصب دليلاً على عدم الثقة بالنفس، بل هو دليلٌ على وجود أزمة هويّة، فلا تناقض بين الثقافة الإسلامية والتنمية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان .
علاج ناجح
رسالة إضافية بعث بها سموه إلى العالم عبر القمة، هي أن الإسلام ليس دين تعصب، ولا دين إرهاب، وقدم سموه علاجا ناجعا لهذه المشكلة، ولا يحتاج إلى تفسير، فقط إلى الإمعان فيما قال سموه، فقد قال إنّ التعصب العنيف الذي يحاول البعض أن يلصقه بدينٍ وثقافةٍ معيّنة هو كما يُظهر تسلسل الأحداث في العصر الحديث مشكلة عالميّة لم يبتل بها مجتمع دون آخر أو ثقافة دون أخرى، وإنّما هو آفةٌ قد تصيب الجميع، ويغذّيها التعصب الديني، وكذلك الأيديولوجي غير الديني، واليأس والإحباط وظروف الجهل والفقر والبطالة. ولهذا فإنّ مواجهتها البعيدة المدى يجب أن تتضمن معالجة جذورها .
الرسالة الأخيرة التي بعث بها سموه إلى العالم، تكمن في الرجوع إلى تعاليم ديننا الحنيف، وأيضا التذكير بمبادئ التعامل مع الآخر، حيث قال سموه أصبح واضحًا أنّ العلاقات مع الآخر داخل كل دولة والتعامل معه على قدم المساواة مع احترام الاختلاف والتمييز هي امتحان لمدى تحضر هذه الدولة وتمدنها. ومثلما نُطالب المجتمعات في الدول الغربية وغيرها أن تتعامل مع الإسلام والمسلمين وفق مبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان التي تلتزم بها، وأن تجرِّم التحريض العنصري على المسلمين أيضا، علينا أن نتوقع من الدول والمجتمعات المسلمة والمجتمعات غير المسلمة في الشرق أيضًا أن تتعامل مع مواطنيها ومقيميها بمساواة بغض النظر عن العرق والدين والمذهب، وأن تحترم دياناتهم وخصوصيتهم. وعلينا أيضا اعتبار المواطنة والمساواة أمام القانون هي ما يُنظم التعامل بين الفرد والدولة بغض النظر عن عرقه أو دينه أو جنسه أو أصله في الدول المسلمة أيضا .